بقلم الدكتور احمد صفوت السنباطي
يحتل الاعتراف في النظام الإجرائي الجنائي مكانة متناقضة وخطيرة، فهو يعتبر في نظر الكثيرين سيد الأدلة وأقواها إثباتاً، وفي الوقت نفسه أكثر الأدلة خداعاً وهشاشةً فمن ناحية، يقدم الاعتراف للقضاء حلاً جاهزاً للإثبات، خاصة في الجرائم المستعصية التي تفتقد للأدلة المادية، فهو يختصر الطريق الطويل للتحقيق ويوفر الجهد والوقت ومن ناحية أخرى، التاريخ القضائي حافل بقصص اعترافات كاذبة دفع أثمانها أبرياء سنوات من حياتهم بل وحياتهم نفسها، إما تحت وطأة التعذيب أو تحت تأثير الوعد الكاذب أو نتيجة اضطراب نفسي أو جهل قانوني هذه الثنائية تجعل من الاعتراف دليلاً مزدوج الحدود، يمكن أن يكون طريقاً سريعاً إلى الحقيقة، أو ممراً مظلماً إلى الظلم.
تأتي خطورة الاعتراف من كونه دليلاً شخصياً بحتاً، يصدر من المتهم نفسه، لكن هذا لا يجعله بالضرورة صادقاً. فالاعتراف قد يكون نتيجة ضغوط جسدية أو نفسية هائلة، أو نتيجة حيلة تحايلية من المحقق، أو نتيجة وعد وهمي بالبراءة أو بتخفيف العقوبة، أو حتى نتيجة رغبة المريض نفسياً في لفت الانتباه أو تحمل تبعات جريمة لم يرتكبها وهنا تبرز ضرورة وجود ضوابط صارمة لأخذ الاعتراف كدليل، ضوابط تحمى كرامة الإنسان وحريته وإرادته، وتضمن أن يكون الاعتراف نابعاً من قناعة حرة واعية.
أول هذه الضوابط وأهمها هو المنع المطلق للتعذيب أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة للحصول على الاعتراف فالدول التي تسمح بالتعذيب أو تتغاضى عنه تفقد شرعيتها الأخلاقية والقانونية، والاعتراف الناتج عن التعذيب ليس فقط باطلاً قانوناً، بل هو فاقد لأي قيمة إثباتية، لأنه نتاج الألم وليس الحقيقة ولا يقتصر مفهوم التعذيب على الألم الجسدي فحسب، بل يمتد إلى الضغوط النفسية المرهقة، والحرمان من النوم، والتهديد بالأذى للشخص أو لأسرته، والعزل التام لفترات طويلة، وكل ما من شأنه كسر إرادة الإنسان وتدمير حريته في الاختيار.
الضابط الثاني يكمن في ضرورة إبلاغ المتهم بحقه في الصمت، وبحقه في استشارة محامٍ قبل وأثناء الاستجواب فالمتهم الجاهل بحقوقه يكون في موقف ضعف بالغ أمام محقق مدرب، وقد يعترف ظناً منه أن هذا هو الطريق الوحيد للخروج من المأزق وجود المحامي أثناء الاستجواب ليس رفاهية، بل هو ضمانة جوهرية لسلامة الإجراءات ونزاهة التحقيق، فهو يراقب طريقة الاستجواب ويتأكد من خلوها من الإكراه، ويساعد متهمه على فهم الأسئلة وصياغة الإجابات.
الضابط الثالث يتعلق بتسجيل عملية الاستجواب بأكملها، سواء بالصوت أو بالفيديو أو بالطريقتين معاً فالتسجيل الشامل والمتواصل منذ دخول المتهم غرفة التحقيق حتى خروجه يقدم دليلاً مادياً على ظروف الاعتراف، ويحمي المحقق من اتهامات التعذيب، ويحمي المتهم من انتهاك حقوقه، ويقدم للقاضي صورة كاملة عن الحالة النفسية والجسدية للمتهم أثناء الاعتراف الاعتراف المدون على ورق فقط هو اعتراف ناقص ومشكوك فيه، فالكلام يطير والكتاب يبقى، ولكن التسجيل المرئي والمسموع يبقى أكثر.
أما عن إجراءات نقض الاعتراف، فهي باب العدالة الأخير الذي يمكن أن يدققه من وقع في شرك اعتراف كاذب فالمتهم أو محاميه له الحق في الطعن في صحة الاعتراف وفي الظروف التي أحاطت به، وعليه إثبات أن الاعتراف جاء نتيجة إكراه مادي أو معنوي، أو نتيجة وعد أو وعيد، أو أن المتهم كان في حالة لا تسمح له بإدراك ما يقول. وهنا ينتقل عبء الإثبات إلى النيابة العامة التي يجب أن تثبت أن الاعتراف كان حُراً طوعياً، وغالباً ما يكون التسجيل الكامل للاستجواب هو الدليل الحاسم في هذه المسألة.
المحكمة عند نظرها في طلب نقض الاعتراف، تبحث بعمق في ظروف الحصول عليه، فتفحص تقارير الطب الشرعي عن وجود آثار تعذيب، وتستمع لشهود ربما سمعوا صراخاً من غرفة التحقيق، وتراجع تسجيلات الاستجواب، وتقيم الحالة النفسية والعقلية للمتهم وقت الاعتراف وإذا شكت في حرية الاعتراف وطوعيته، فإنها تطرحه من ملف الدعوى ولا تحاسب النيابة على ذلك، لأن الهدف هو الوصول إلى الحقيقة، وليس إثبات التهمة بأي ثمن.
في النهاية، الاعتراف الحقيقي هو الذي يخدم العدالة، أما الاعتراف المزيف فهو عدوان عليها فالقضاء العادل لا يبني أحكامه على أساس اهتزاز، ولا يقبل بالحقيقة الملوثة بالإكراه ضوابط الأخذ بالاعتراف ليست معوقات للعدالة، بل هي سياجات لحمايتها من الانحراف وإجراءات نقضه ليست ثغرات للهروب من العقاب، بل هي صمام أمان ضد إدانة الأبرياء في هذا التوازن الدقيق بين ضرورة كشف الجريمة وحرمة الكرامة الإنسانية، تكمن ر
وعة القانون ورقيه.

تعليقات
إرسال تعليق