القائمة الرئيسية

الصفحات

دور المحكمة الجنائية الدولية في ملاحقة مجرمي الحرب في أوكرانيا


بقلم الدكتور. احمد صفوت السنباطي 


عندما اجتاحت الدبابات الحدود في الرابع والعشرين من فبراير، لم تكن تعبر خطاً على الخريطة فحسب، بل اجتازت حاجزاً أخلاقياً وقانونياً كان يعتقد البعض أنه أصبح جزءاً من ماضي أوروبا المظلم في قلب هذه العاصفة، برزت المحكمة الجنائية الدولية من مقرها في لاهاي ليس فقط كمراقب، بل كفاعل رئيسي في أول اختبار وجودي كبير لها في صراع على الأراضي الأوروبية لم تكن أوكرانيا مجرد ساحة حرب جديدة، بل كانت مختبراً حياً لفعالية العدالة الدولية في القرن الحادي والعشرين فبسابقة تاريخية، أذنت الدائرة التمهيدية الثانية للمحكمة فوراً بفتح تحقيق في الوضع في أوكرانيا، وذلك بناءً على إحالة غير مسبوقة من قبل 43 دولة طرف، في أكبر تحالف دبلوماسي قضائي يشكل لمواجهة إراقة الدماء كانت الرسالة واضحة لن تكون هناك حصانة، ولن يكون هناك تأخير، ولن تكون هناك مناطق رمادية حيث يمكن للفظائع أن تُرتكب بعيداً عن عدسة العدالة.


تتحرك المحكمة في أوكرانيا على أرض قانونية معقدة فأوكرانيا ليست دولة طرفاً في نظام روما الأساسي، مما يعني أن اختصاص المحكمة التقليدي غير قائم لكن الثغرة الذكية جاءت عندما قدمت أوكرانيا إعلانين متتاليين بقبول اختصاص المحكمة على جرائم ارتكبت على أراضيها، وهو ما مكن المحكمة من ممارسة ولايتها وبعد ذلك، جاءت الإحالة الجماعية من الدول الأطراف لتضفي زخماً سياسياً وقانونياً غير مسبوق وهذا ما جعل الرد الدولي سريعاً وحاسماً، حيث جرى نشر أكبر فريق تحقيق ميداني في تاريخ المحكمة، مؤلفاً من محققين وخبراء في جمع الأدلة ومحللي جرائم الحرب، يعملون على الأرض وفي البلدان المجاورة لجمع الأدلة وتوثيق الانتهاكات في وقت قياسي التحدي الأكبر لم يكن في التواجد على الأرض، بل في طبيعة الأدلة التي يتم جمعها فالمحكمة تتعامل مع صراع حديث، حيث تمتزج وسائل الحرب التقليدية بالفضاء الإلكتروني، وتنتشر الأدلة الرقمية جنباً إلى جنب مع المشاهد المروعة على الأرض صور الأقمار الصناعية، مقاطع الفيديو المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي، الاتصالات المقطوعة، كلها تشكل نسيجاً جديداً للإثبات يجب على المحكمة أن تتعامل معه بصرامة قضائية تلائم عصرنا.


ولكن تقف أمام المحكمة عقبات هائلة فأبرز المشتبه بهم يتمتعون بحصانة وظيفية عالية، وتتخذ جرائمهم طابعاً منهجياً قد يشير إلى مسؤولية القيادة العليا، مما يتطلب إثبات نية إجرامية على أعلى المستويات كما أن الاعتقال الفعلي لأي مطلوب سيشكل تحدياً عملياً وسياسياً هائلاً في ظل استمرار النزاع وربما الأهم، أن المحكمة تواجه سؤالاً وجودياً هل يمكنها أن تحقق العدالة في حين أن الحرب لا تزال مشتعلة؟ هل تحاكم مجرمي الحرب بينما القذائف لا تزال تسقط على المدن؟ هذه الديناميكية الفريدة تختبر قدرة المحكمة على أن تكون ليس فقط جهة للمحاسبة بعد انتهاء الصراع، بل قوة رادعة إثناءه.


دور المحكمة في أوكرانيا يتجاوز الملاحقة الفردية، فهو محاولة لكتابة سابقة قانونية في مواجهة جرائم العدوان التي طالما كانت المنطقة الرمادية في القانون الدولي كل قرار تصدره، كل مذكرة توقيف تطلقها، كل جلسة علنية تعقدها، هي رسالة إلى العالم بأن حدود العصر الجديد ليست حدوداً جغرافية فحسب، بل هي حدود أخلاقية وقانونية المحكمة الجنائية الدولية في أوكرانيا ليست مجرد محكمة، بل هي ضمير العالم في اختباره الأصعب نجاحها أو فشلها هنا لن يحكم فقط على مصير مجرمي حرب، بل على مصير فكرة العدالة الدولية ذاتها في عالم يبدو أنه بدأ ينسى در

وس الماضي

تعليقات