القائمة الرئيسية

الصفحات

الباحث السياسي محمود أبو الحمد يكتب: الفراعنة ليسوا كفارًا.. قراءة تاريخية تصحح أخطر أكاذيب الوعي

الباحث السياسي محمود أبو الحمد يكتب: الفراعنة ليسوا كفارًا.. قراءة تاريخية تصحح أخطر أكاذيب الوعي


كنت أشاهد مباراة كرة القدم لمنتخب مصر في بطولة كأس العرب المقامة حاليًا بقطر، حين قال معلق المباراة إن المصريين لا يحبون كلمة «الفراعنة» لأنها ترمز للكفر. لم يكن هذا التعليق عابرًا أو بسيطًا، بل كان صادمًا، لأنه يعكس فهمًا مشوهًا للتاريخ، ويعيد إنتاج مقولة لا أساس لها من الصحة، يتم ترديدها دون وعي أو تدقيق. فاختزال حضارة كاملة، وشعب امتد عبر آلاف السنين، في توصيف ديني واحد هو خطأ جسيم، وظلم تاريخي وفكري لا يمكن القبول به.


هذا الطرح الخاطئ يقوم على خلط متعمد أو جاهل بين واقعة دينية محددة، تتعلق بفرعون موسى، وبين الفراعنة باعتبارهم رمزًا لحضارة مصرية قديمة عريقة. التاريخ لا يُقرأ بهذه السطحية، ولا يُختزل بهذه الطريقة. ففرعون موسى هو نموذج لطغيان فردي في لحظة تاريخية بعينها، وليس عنوانًا لحضارة كاملة أو حكمًا عامًا على شعب بأكمله.


والأخطر من ذلك أن هذا الخلط يتجاهل الامتداد الزمني العميق للحضارة المصرية. فحضارة مصر ليست كما يُشاع حصرها في سبعة آلاف سنة فقط، بل تشير قراءات تاريخية وأنثروبولوجية متعددة إلى أن الوجود الحضاري المصري يمتد إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، وربما يصل إلى عشرات الآلاف من السنين. هذا الامتداد الزمني الهائل يعكس تعاقب عصور طويلة، وحكام وأسر ونظم حكم متتابعة، يُقدَّر عدد من حكموا مصر خلال العصور القديمة بأرقام ضخمة، وهو ما يؤكد أننا أمام حضارة إنسانية ممتدة ومتطورة، لا يمكن اختزالها في حقبة واحدة أو توصيف واحد.


بل إن فكرة التوحيد نفسها لم تكن غريبة عن العقل المصري القديم. فقد عرف المصريون القدماء الإيمان بإله أعلى منظم للكون، وظهر ذلك بوضوح في محاولات فلسفية وروحية، أبرزها تجربة إخناتون، التي دعت إلى عبادة إله واحد. ورغم الجدل التاريخي حول طبيعة هذه التجربة، إلا أنها تؤكد أن العقل المصري كان في رحلة بحث دائم عن الإله الواحد، لا كما يُروَّج له أنه غارق في كفر مطلق أو وثنية ساذجة.


والدليل الأهم على ذلك يظهر في جوهر الحياة اليومية للمصريين القدماء، خاصة في الزراعة والصناعة. فالزراعة لم تكن مجرد نشاط اقتصادي، بل كانت قائمة على فهم دقيق لدورة الكون والنيل والفصول، وهو ما يعكس إيمانًا راسخًا بنظام كوني محكوم بقوة عليا. هذا الإيمان تجسد في مفهوم «ماعت»، الذي مثّل العدل والميزان والحق والنظام، وهي قيم أخلاقية لا يمكن فصلها عن الإيمان بوجود إله يحكم الكون ويحاسب البشر.


كما أن التقدم الصناعي والعمراني والعلمي الذي حققه الفراعنة لم يكن نتاج عبث أو إلحاد، بل ثمرة عقل منظم يرى في الكون نظامًا إلهيًا يمكن فهمه وتسخيره. الإيمان بالحياة بعد الموت، وفكرة الحساب، وبناء المقابر والمعابد، كلها شواهد واضحة على وجود بعد غيبي عميق في العقيدة المصرية القديمة، وهو ما يتناقض تمامًا مع مفهوم الكفر المطلق الذي يُلصق زورًا بهذه الحضارة.


إن الخلط بين «فرعون» كشخصية طاغية في سياق ديني محدد، وبين «الفراعنة» كرمز لشعب وحضارة ممتدة عبر آلاف السنين، يخدم خطابًا متطرفًا يسعى لقطع المصري عن جذوره التاريخية. هذا الخطاب لا يسيء للتاريخ فقط، بل يضرب الوعي الوطني، ويصنع صراعًا وهميًا بين الدين والهوية، وكأن الاعتزاز بالحضارة المصرية يتناقض مع الإيمان، وهو ادعاء لا يصمد أمام أي قراءة علمية أو دينية منصفة.


الدين لا يعادي التاريخ، والإيمان لا يفرض كراهية الجذور. بل إن الإسلام نفسه دعا إلى السير في الأرض والنظر في آثار الأمم السابقة للعظة والتدبر، لا للتكفير والتشويه. ومن هذا المنطلق، فإن الدفاع عن الفراعنة ليس دفاعًا عن أشخاص، بل دفاع عن الحقيقة، وعن وعي أمة تُستهدف ذاكرتها وهويتها عبر مفاهيم مغلوطة تتكرر دون مساءلة.


إن تصحيح هذه الأكذوبة لم يعد ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة وطنية وفكرية. فالفراعنة ليسوا كفارًا كما يُشاع، بل حضارة إنسانية عظيمة، يجب أن تُقرأ بعقل واعٍ، لا أن تُدان بجهل أو تعليق عابر على مباراة كرة قدم.

تعليقات