يعكس الموقف المصري الحاسم بعدم عقد لقاء بين الرئيس عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبل حسم أربعة ملفات سيادية فاصلة، طبيعة السياسة المصرية القائمة على وضوح الخطوط الحمراء ورفض إدارة الأزمات بمنطق المجاملات أو الضغوط الظرفية. فالقاهرة، التي تمتلك تاريخًا طويلًا من إدارة التوازنات الإقليمية المعقدة، تدرك أن أي لقاء على مستوى القمة لا يمكن أن يكون شكليًا أو بلا مضمون، بل يجب أن يستند إلى أسس واضحة تضمن حماية المصالح الوطنية والأمن القومي المصري.
وتتمثل هذه الملفات، التي شددت مصر على ضرورة حسمها قبل انعقاد أي قمة، في تعديل السلوك الإسرائيلي تجاه الدولة المصرية، بما يعكس احترامًا متبادلًا للسيادة وحدود الدور، ووقف أي ممارسات أو تصريحات تمس الأمن القومي المصري أو تحاول فرض أمر واقع على الحدود. كما يأتي الرفض القاطع لفكرة التهجير في صدارة هذه الملفات، باعتبارها خطًا أحمر مصريًا لا يقبل المساومة، لما تمثله من تهديد مباشر للأمن القومي وتصفية فعلية للقضية الفلسطينية على حساب دول الجوار.
ويضاف إلى ذلك إصرار القاهرة على الانسحاب الإسرائيلي الكامل من قطاع غزة، باعتباره شرطًا أساسيًا لأي حديث عن تهدئة حقيقية أو مسار سياسي جاد، فضلًا عن ضرورة فتح معبر رفح من الجانب الفلسطيني لإدخال المساعدات الإنسانية دون عوائق. فمصر ترى أن استمرار التحكم الإسرائيلي في المعابر واستخدام المساعدات كأداة ضغط سياسي يمثل جريمة إنسانية، ولا يمكن القبول به أو التغاضي عنه في إطار أي ترتيبات مستقبلية.
هذا الموقف لا ينفصل عن السياق الإقليمي المتفجر، خاصة ما يتعلق بالقضية الفلسطينية وتداعيات الحرب على قطاع غزة. فمصر تدرك أن أي محاولة لتجاوز هذه الملفات الجوهرية أو القفز فوقها تعني عمليًا شرعنة سياسات أحادية الجانب تمس بشكل مباشر أمنها القومي وحدودها الشرقية ودورها التاريخي كوسيط رئيسي في الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي. ومن هنا، يصبح ربط اللقاء بحسم هذه القضايا رسالة سياسية واضحة بأن القاهرة ليست طرفًا ثانويًا، بل فاعلًا رئيسيًا يفرض شروطه وفقًا لمعادلة المصالح لا الإملاءات.
كما يعكس هذا الموقف وعيًا مصريًا بطبيعة المرحلة، حيث تسعى بعض الأطراف إلى توظيف اللقاءات السياسية لتخفيف الضغوط الدولية أو تحسين الصور الداخلية دون تقديم تنازلات حقيقية. القاهرة تدرك خطورة هذا النهج، ولذلك جاء القرار حاسمًا في التأكيد على أن الجوهر يسبق الشكل، وأن أي لقاء لا يحقق نتائج ملموسة على الأرض لن يكون سوى غطاء سياسي لممارسات مرفوضة.
وفي الوقت ذاته، يبعث هذا الموقف برسالة واضحة للمجتمع الدولي مفادها أن مصر لا ترفض الحوار ولا تعرقل فرص التهدئة، لكنها تشترط أن يكون الحوار جادًا ومنتجًا ويعالج جذور الأزمة، لا أن يلتف حولها. فالدولة المصرية، بما تملكه من ثقل إقليمي ودولي، ترى أن الاستقرار الحقيقي لن يتحقق إلا عبر احترام السيادة، ووقف سياسات التهجير، وإنهاء الاحتلال، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون ابتزاز أو قيود.
في المحصلة، يؤكد حسم الرئيس السيسي لهذا الموقف أن السياسة الخارجية المصرية تتحرك بثبات وثقة، مستندة إلى رؤية استراتيجية واضحة تضع مصلحة الدولة والأمن القومي فوق أي اعتبارات أخرى. فالقاهرة، وهي تفتح الباب دائمًا أمام الحلول السياسية العادلة، تُغلقه في المقابل أمام أي محاولات لتهميش دورها أو تجاوز ثوابتها، مؤكدة أن اللقاءات الكبرى لا تُعقد إلا عندما تتوافر شروطها الحقيقية، لا الشكلية.

تعليقات
إرسال تعليق