القائمة الرئيسية

الصفحات

الإثبات الجنائي بالمستندات الإلكترونية ورسائل التطبيقات


بقلم الدكتور :احمد صفوت. السنباطي 


في عصر تحولت فيه الحياة بكل تفاصيلها إلى نبضات رقمية تنتقل عبر الفضاء الافتراضي، وجد القانون الجنائي نفسه في سباق محموم مع الزمن لتطوير أدوات إثبات تواكب هذا التحول الجذري فما عادت الجريمة تُدَبَّر في زوايا مظلمة أو تُنَفَّذ في الأزقة الخلفية فحسب، بل صارت تُخَطَّط لها في غرف الدردشة السرية، وتُنَفَّذ عبر شبكات معقدة، وتُوثَّق تلقائياً في سجلات رقمية لا ترحم في هذا العالم الجديد، تحولت رسائل واتساب وتيليجرام وسيجنال وفيس بوك ماسنجر من مجرد وسائل تواصل عابرة إلى سجلات دائمة قد تحمل في طياتها اعترافاً كاملاً أو تخطيطاً لجريمة أو دليلاً على علاقة إجرامية لكن الطريق من هذه المراسلة العابرة على الشاشة الصغيرة إلى قبولها كدليل قاطع في قاعة المحكمة هو رحلة شاقة مليئة بالتحديات القانونية والفنية، رحلة تختبر متانة النظام القضائي ومرونته في عصر التحول الرقمي.


لنتخيل محققاً أمامه آلاف الرسائل بين متهمين في قضية اختلاس أو تهديد أو تحريض على الكراهية، كل رسالة تحمل طابعاً شخصياً ولحظة زمنية وتوقيعاً رقمياً كيف يمكن تحويل هذه الكومة الرقمية إلى دليل متماسك يقنع قاضياً تربى على مفهوم الأوراق والأختام والشهود؟ التحدي الأول يبدأ بأصالة الدليل الإلكتروني، ففي العالم الرقمي يمكن التلاعب بالمحتوى وتزوير الهويات واختراق الحسابات بدرجة عالية من الاحترافية رسالة منسوبة لشخص قد تكون مزورة، ومحادثة محذوفة قد يتم استردادها بتقنيات متقدمة، وملف مرسل قد يكون حاملاً لفيروس يغير محتواه تلقائياً هذه الهشاشة المتأصلة في البيئة الرقمية تضع عبئاً ثقيلاً على عاتق الخبراء التقنيين الذين يجب أن يثبتوا سلسلة حفظ رقمية غير منقطعة للدليل، من لحظة إنشائه إلى لحظة عرضه في المحكمة.


التحدي الثاني الأكثر عمقاً يتمثل في الخصوصية والموافقة، فالقانون يحمي خصوصية الاتصالات، ولا يجوز عادة الاعتماد على رسائل تم الحصول عليها بطريقة غير مشروعة، مثل اختراق حساب أو مراقبة اتصال بدون إذن قضائي لكن أين تقع الحدود بين الحق في الخصوصية وضرورة كشف الجريمة؟ هل رسائل العامه في مجموعة مفتوحة تتمتع بنفس الحماية التي تتمتع بها الرسائل الخاصة؟ وهل يمكن الاستعانة برسائل تم تسليمها طوعاً من أحد أطراف المحادثة كدليل ضد الطرف الآخر؟ هذه الأسئلة تضع القضاء في قلب معركة بين قيم أساسية متصارعة.


التحدي الثالث عملي ويتمثل في المصادقة على الهوية الرقمية، فكيف تثبت أن الحساب الذي أرسل الرسالة يعود حقاً للمتهم؟ الأسماء المستعارة والشخصيات الوهمية والإعارة المشتركة للأجهزة تجعل من عملية الربط بين الشخص الرقمي والشخص الطبيعي مهمة بالغة التعقيد قد يحتاج الأمر إلى تتبع عنوان IP، أو الربط مع بيانات مشتريات إلكترونية، أو مطابقة أنماط الكتابة، أو حتى الحصول على اعتراف من صاحب الحساب نفسه.


أما التحدي الرابع فيكمن في تفسير محتوى هذه الرسائل، فاللغة الرقمية تختلف عن اللغة التقليدية، فهي مليئة بالرموز التعبيرية والإيموجي والاختصارات والتلميحات الثقافية الخاصة بكل فئة عمرية أو اجتماعية كلمة واحدة أو رمز تعبيري قد يكون لها معنى بريء في سياق ومعنى إجرامي في سياق آخر كيف يفهم القاضي الذي قد يكون من جيل مختلف ثقافة التواصل الرقمية وتفاصيلها الدقيقة؟ هنا يصبح دور الخبير اللغوي الرقمي لا يقل أهمية عن دور الخبير التقني.


 


 


في مواجهة هذه التحديات، بدأت التشريعات في العديد من الدول تتطور، فوضعت قواعد لكيفية حجز الأجهزة الإلكترونية وتحليلها، واشترطت شهادات لمحللي الأدلة الرقمية، ووضعت معايير لقبول الأدلة الإلكترونية كما طورت المحاكم تدريجياً فهماً أفضل للبيئة الرقمية، وأصبحت أكثر انفتاحاً على قبول هذا النوع من الأدلة، شريطة توفر ضمانات كافية لأصالته وسلامة الحصول عليه.


النقلة النوعية تحدث عندما تتحول الرسائل الإلكترونية من مجرد أدلة مساعدة إلى أدلة رئيسية تقوم عليها الإدانة، كما حدث في قضايا التحرش الإلكتروني والتهديد والابتزاز وحتى في بعض قضايا القتل التي تم التخطيط لها عبر تطبيقات المراسلة في هذه الحالات، تصبح الرسائل هي نواة القضية، وتتحول دقة تحليلها وسلامة التعامل معها إلى مسألة قد تحدد مصير إنسان.


المستقبل يحمل تحديات أكبر مع تطور تقنيات التشفير من طرف إلى طرف، التي تجعل حتى الشركة المزودة للتطبيق غير قادرة على فك محتوى الرسائل، ومع ظهور تقنيات مثل الميتافيرس التي تخلق عوالم افتراضية كاملة قد تكون مسرحاً للجرائم في هذا المشهد المتسارع، يجب أن يستمر القانون في التطور، ليس فقط في تقنيات جمع الأدلة، بل وفي فلسفة الإثبات نفسها، ليوازن بين قوة الأدلة الرقمية وحماية الحقوق الأساسية في عصر لم تعد فيه الخصوصية كما عرفناها، ولم يعد فيه الدليل ملموساً كما اعتدنا الرحلة من المراسلة إلى المحكمة أصبحت هي الرحلة الأكثر أهمية في العد

الة الجنائية المعاصرة

تعليقات