بقلم / د.محمود محمدربيع
ليست مجرد أرقام تُضاف إلى قوائم "المنتظرين"، إنهم قاطرة التنمية التي تُركت في محطة مهجورة. نتحدث عن حملة الماجستير والدكتوراه في مصر؛ النخبة التي استثمر فيها الوطن سنوات وأموالاً وجهداً، ليجدوا أنفسهم اليوم وقوداً لحسرة مُتجددة، وشواهد حيّة على إهدار أغلى ما نملك: الكفاءة والعلم.
شهادة "السجن" العلمي :
بالنسبة للكثيرين منهم، لم تعد الشهادة العليا مفتاحاً للتقدم، بل أصبحت قيداً، أو ربما "تذكرة دخول" إلى دائرة من الإحباط. تخيل معي: شاب أو شابة أفنى ما لا يقل عن 5 إلى 10 سنوات بعد التخرج للحصول على أعلى الدرجات العلمية، أجرى أبحاثاً عميقة ومبتكرة في مجالات حيوية، ثم يُفاجأ بأن ردهات الجهاز الإداري تُغلق في وجهه بأبواب من حديد البيروقراطية.
ما هي أوجه المعاناة التي تقتل طموح هؤلاء؟
* وهم التقدير: يتم الاحتفاء بهم في حفلات التخرج والمؤتمرات، لكن الواقع العملي يصفعهم بأن العلم وحده لا يكفي، وأن الإدارة لا تثق في قدراتهم على التغيير.
* عقوبة التخصص: بدلاً من استيعابهم في وظائف تتطلب عمقهم المعرفي (كمراكز البحوث، وهيئات التخطيط، ووحدات التطوير الإداري)، يتم تهميشهم أو عرض وظائف عليهم تقل عن مؤهلاتهم بكثير، مما يُشعرهم بأن شهادتهم هي عائق وليست ميزة.
* نزيف الأمل (وليس العقول فقط): عندما يجد حامل الدكتوراه نفسه مضطراً للعمل كسائق، أو بائع، أو في وظيفة لا تحتاج سوى لشهادة متوسطة، فإن هذا ليس نزيفاً للعقول المهاجرة فقط، بل هو نزيف يومي للأمل والثقة في قدرة الدولة على تقييم أبنائها. إنهم يصرخون: "إذا كان العلم مصيره هذا الإهمال، فما الفائدة من الجهد؟"
العلم هو القاطرة.. لا تتركوه خلفكم!
إن أي خطة حقيقية للتطوير، بدءاً من الجمهورية الجديدة وصولاً إلى رؤية مصر 2030، لن تكون إلا حبراً على ورق ما لم تكن مدفوعة بـ العقل المدرب على البحث والابتكار.
إن توظيف هذه الكفاءات ليس مكرمة، بل هو فرض وطني وخطوة استراتيجية لأجل:
* مواجهة التحديات الحديثة: مَن الأقدر على تطوير ملفات مثل الأمن السيبراني، إدارة الموارد المائية، أو التحول الأخضر، سوى الباحثين الذين تخصصوا في هذه المجالات؟
* رفع كفاءة الأداء الحكومي: إن تعيين هؤلاء يعني استبدال الروتين بالمنهجية العلمية في اتخاذ القرارات وحل المشكلات المعقدة.
* إيقاف الهجرة القسرية: عندما يجد الباحث تقديره في وطنه، سيتوقف نزيف العقول الذي يكلف الدولة خسائر لا تُعوض، ويذهب بالخبرات إلى الدول التي تعرف قيمة العلم.
رسالة إلى صانع القرار:
لا تتركوا هؤلاء الشباب فريسة للبيروقراطية المنهكة. لا تجعلوا من الماجستير والدكتوراه "شهادة سجن" أو "وشاح إهمال".
* قانون ملزم وفوري يضمن نسبة عادلة ومُعلنة لحملة الشهادات العليا في جميع التعيينات الحكومية.
* إنشاء مسار وظيفي خاص بهم يعكس طبيعة مؤهلاتهم ويضعهم في مواقع البحث والتطوير الإداري.
* التعامل مع ملفهم كـ "أمن قومي"؛ فإهدار هذه الكوادر هو إضعاف لقدرة الوطن على مواكبة المستقبل.
إنهم يستحقون أن يكونوا في المقدمة، يدفعون بوطنهم إلى الأمام، لا أن يظلوا في الظل، ينتظرون فرصة قد لا تأتي أبداً. كفانا إحباطاً، ولنبدأ البناء الفعلي بالكفاءات.
تعيين_حملة_الماجستير_والدكتوراه
كفاءات_مصر_تنتظر
استثمار_في_العقول
لا لإهدار الكفاءات
#الجهاز_الإداري_يحتاجهم

تعليقات
إرسال تعليق