القائمة الرئيسية

الصفحات

المدينة التي تسكن الداخل ولا تظهر على الخرائط


بقلم/نشأت البسيوني 


هناك مكان لا يذكر في كتب الجغرافيا ولا يظهر في صور الاقمار الصناعية ولا يصل اليه المسافرون بحقائبهم لكنه موجود بقوة في داخل الانسان مكان يتشكل ببطء مع مرور الوقت وينمو مع التجارب ويكبر مع الوجع والخذلان والانتظار هذا المكان لا باب له ولا حدود لكنه يحتل مساحة واسعة في الروح ويصبح الملاذ الاخير حين تضيق الاماكن كلها هو المكان الذي نلجأ اليه حين 


نفشل في شرح انفسنا للآخرين وحين لا تسعفنا الكلمات ولا تنقذنا التبريرات مكان نصمت فيه دون ان نشعر بالوحدة ونبكي فيه دون ان نخجل ونراجع فيه كل شيء دون خوف من الحكم او اللوم هناك يصبح الانسان على حقيقته مجردا من الادوار ومن الاقنعة ومن محاولات الظهور بالقوة في هذا المكان تعيش الذكريات لا كصور بل كمشاعر حية تعود فجأة دون استئذان صوت قديم ضحكة بعيدة 


وعد لم يكتمل حلم تأجل كثيرا كل شيء فيه يتحرك بهدوء كأنه يعرف ان صاحبه متعب ولا يحتمل الضجيج المكان لا يضغط ولا يطالب فقط يحتضن ويتركك تكون كما انت الغريب في هذا المكان انه يتسع كلما ضاقت الحياة وكلما خذلك انسان او انكسر فيك شيء زادت مساحته وكأن الروح تخلق له غرفا جديدة لتنجو فيه من الانهيار هناك يتعلم الانسان ان النجاة ليست دائما في المواجهة 


بل احيانا في الانسحاب الهادئ وفي الاختباء المؤقت حتى تلتئم الكسور هذا المكان يعلمك ان بعض المعارك لا تستحق وان بعض العلاقات كانت عبئا وان بعض الاحلام لم تكن لك من البداية يعلمك ان التخلي ليس ضعفا وان الصبر له حدود وان السلام الداخلي لا يمنح بل ينتزع بعد تعب طويل وفهم قاس المدينة التي في الداخل لا تشبه المدن التي نعرفها لا شوارع فيها ولا مبان لكنها مليئة 


بالمعاني مليئة بالاسئلة وبالاجابات التي لم نقلها لاحد وبالقرارات التي اتخذناها بصمت وبالنضج الذي لم يلاحظه من حولنا لان التحولات الحقيقية لا تصدر ضجيجا هناك يصبح الانسان اخف وزنا لا لانه تخلص من كل شيء بل لانه تعلم ماذا يحمل وماذا يترك تعلم ان بعض الاشياء مهما تمسكنا بها كانت تثقل الروح لا تغنيها وان بعض الاشخاص مهما اقتربوا لم يكونوا وطنا هذا المكان لا نزوره 


مرة واحدة بل نعود اليه كلما تغيرنا وكلما فهمنا ان العالم الخارجي لا يمنح الطمأنينة وحده وان اعظم اشكال القوة ان تصنع في داخلك مساحة آمنة لا يستطيع احد اقتحامها وقد تمر بك سنوات وانت تبني هذه المدينة دون ان تدري حتى يأتي يوم تنظر الى نفسك فتدرك انك لم تعد كما كنت وانك نجوت من اشياء كثيرة لم تحك عنها وانك صمدت في معارك لم يصفق لك فيها احد وان هذا 


المكان الذي لا يراه سواك كان هو الفاصل بين الانكسار والاستمرار

قد لا يعرف احد انك تسكن هذه المدينة وقد لا يلاحظون انك عدت منها اكثر هدوءا اكثر وعيا اكثر تصالحا مع نفسك لكنك انت تعرف انك لولاها ما كنت نجوت وان هذا المكان الذي لا اسم له ولا عنوان كان السبب في بقائك واقفا حين كان ا

لسقوط اسهل بكثير

تعليقات