القائمة الرئيسية

الصفحات

إرادة الله أن أرض السلام فلسطين (أورشلم) لا تنعم بالسلام؟ بين التاريخ والتأمل الفلسفي والأختبار الأخلاقي



كتب الأديب أحمد أمين عثمان 

نناقش في هذا البحث سؤالا مركزيا يجمع بين قراءة دينية وفهم تاريخي وسياسي: 


لماذا بدت أرض فلسطين وبالأخص أورشلم (القدس) كمسرحا متكررا للنزاع عبر العصور؟ هل يمكن فهم هذا الواقع كإختبار إلاهي منذ القدم لمدى انسانية البشر وترمومتر لتحضرهم أم هو نتيجة عوامل بشرية وسياسية وتاريخية أم مزيج منهما؟ نتناول في هذا البحث عرض تاريخي موجز لحقب مختلفة مع مؤشرات على فترات نسبية من الأمن او الأضطراب ثم قراءة فلسفية ودينيه لاهوتية حيادية تدرك تعدد الأسباب وتعرض إستنتاجات عملية.


مقدمــة: تأمل في سؤال مقدس وتاريخي


أورشلم مدينة محورية في وعي ثلاث ديانات سماويه وبهذا الوضع تصبح أكثر من موقع جغرافي هي بمسابة رمز ديني وثقافي وسياسي.. 


هذا الإختلاف في القدسية يجعل من المدينة نقطة إلتقاء وتلاقي لكنه أيضا يجعلها ساحة للتنافس والإحتكاك. لنعالج السؤال بموضوعية: نبحث أولا ماذا تقول المصادر التاريخية عن فترات السلام والنزاع ثم نتناول البعد الديني 

و اللاهوتي والفلسفي: هل هي "إختبار" أم نتيجة أم كلاهما.


وهنا وجب المسح التاريخي كموجز بحسب حقب رئيسية


١- عصور ما قبل التاريخ والتكوينات الكنعانية و اليهوديه 


المناطق المرتفعة حول فلسطين سكنت منذ ألاف السنين وذكر الأسم في نصوص مصرية وأمتراسية مبكرة بحسب الدراسات التاريخية أستمرت المدينة كموضع أستراتيجي وسياسي وديني منذ العصور المبكرة حتى تأسيس مملكة يهوذا وجعل داود للمدينة عاصمة تقليدية. هذه الحقبة لم تكن معفاة من الصراعات الأقليمية لكنها تضمنت إستقرارا مؤقتا تحت سلطات محلية. 


٢- الفترات الفارسية والهلنستية والرومانية


خضع الأقليم لتقلبات الأمبراطوريات الكبرى: الفرس ثم الأسكندرون ثم السلوقيين ثم الرومان. شهدت القرون المتأخرة من الحكم الروماني ثورات يهودية دموية (القرنين الاول والثاني الميلاديين) أدت الى دمار الهيكل وتغير ديموغرافي وسياسي كبير. هذه الحقبة تدل على أن المشروعية الدينية والسياسية تتحول الى بؤر صدام مع القوى الأمبراطورية. 


٣- الحقبة البيزنطية ثم الخليفة الاولى والاموى والعباسي


مع التحول الى حكم بيزنطي ثم دخول الإسلام أستقر الوضع اداريا الى حد ما. تحت الامويين خصوصا تمت أعادة تأكيد القدسية الإسلامية للمكان عبر بناء قبة الصخرة والمسجد الاقصى وإحتلت المدينة موقعا إداريا ودينيا مهما في جند الشام هذه الفترات شهدت استقرارا اداريا نسبيا رغم تقلبات سياسية أكبر على مستوى الإمبراطورية. 


٤- الحملة الصليبية ومملكة أورشلم (١٠٩٩ وما بعدها)


القرن الحادي عشر شكل نقطة فاصلة حملة صليبية إجتاحت المدينة وتبعت ذلك أحداث عنف كبيرة أثرت على التركيبة السكانية وأدخلت المدينة في حقبة صدامات طويلة بين الصليبيين والمسلمين ثم بين قوى إسلامية مختلفة. مملكة اورشليم الصليبية كانت حالة حكم غير محلية فرضت نظاما سياسيا واحيانا فترات توتر وإعتداءات همجية. 


٥- العصور المملوكية والعثمانية


بعد الحملات الصليبية وعودة الحكم الأسلامي تدريجيا دخلت المدينة في عصور مملوكية ثم عثمانية أستمرت قرونا تحت الحكم العثماني (حوالي أربعمائة سنة) عاش الأقليم فترات طويلة من الأستقرار والعدل الأداري النسبي مقارنة بفترات الحروب الصليبية او الثورات 

ولو أن الظلم الأجتماعي والهيمنة المركزية وإزدياد التنافس الطائفي لم يغب تماما. 


٦- القرن العشرين الإنتداب البريطاني ووعد بلفور و إعطاء من لايملك لمن لايستحق و قيام دولة إسرائيل والصراع الحديث. 


بعد الحرب العالمية الأولى وسقوط الحكم العثماني دخل الأقليم منعطفا جديدا بشأن الدول والشعوب الإحتلال البريطاني و السماح بالهجرة اليهودية وصعود القومية العربية والصهيونية ثم حرب 1948 وتقسيم القدس بين إسرائيل والأردن و عدوان 1967 وإحتلال شرق القدس منذ منتصف القرن العشرين تزايد الطابع السياسي القومي للنزاع وتحول الصراع الى صدام مسلح ومذابح و مماطله دبلوماسية طويله الأمد. 


اين كانت فترات "السلام" فعلا؟


اذا عرفنا السلام كغياب حرب واسعة ونمط حياة يومي مستقر فالفترات الأقل عنفا كانت عادة عندما كانت السلطة المركزية عادله 

بالحكم الأموي/عباسي مستقر فترات عثمانية هادئة نسبيا في قرون بعيدة عن الصراعات الكبرى. 


لكن حتى في فترات الإستقرار كانت توترات دائمة حول الحقوق الدينية والإدارية وكانت حياة الطوائف الأقليات تخضع لتسويات قانونية وإجتماعية غير متساوية لذلك لا يمكن القول ابدا ان المدينة عرفتها سلاما مطلقا عبر التاريخ لكن كانت لها فترات استقرار نسبي. 


نظرة دينيه لاهوتية وفلسفية هل فلسطين أرض السلام أختبار إلهي وترمومتر تحضر الأنسانية؟


النظرية القائلة بأن أورشليم إختبار ألهي لها جذور في التفسيرات الدينية: كونها مركز قداسة يجعل منها محكا لصدق الأخلاق والأمانة لدى البشر. 


من جهة آخرى يجب الإنتباه إلى أن النصوص الدينية تفسر بطرق متباينة فبعض المفسرين يرون المحن إختبارا للأمة، وأخرون يرونها دعوة للتوبة والعمل الأنساني.


لكن من زاوية عقلانية تاريخية وسياسية يمكن القول:


الكثير من العوامل المادية والبشرية (موقع إستراتيجي وموارد وطرق تجارية ومصالح إمبريالية ونزعات قومية ودينية وتدخلات خارجية تلعب دورا أساسيا في تكرار الصدامات

لصالح أياد خفيه.. 


والقدسية تعمق الصراع لإنها تضيف بعدا لا تفاوضيا حقوق دينية لا تقاس بالسياسة وحدها.


إذن التفسير الوحيد بأختبار إلهي يكون ناقصا اذا اغفل الفاعل البشري الأستعمار الأستيطان والطموحات القومية والسياسات الداخلية و فرض سيطرة النظام العالمي على الشرق الأوسط والأقتصاد كلها حقيقية ومؤثرة.


بصيغة مركبة: أورشلم قد تستخدم كأختبار لإنسانية الأمم عندما يواجهونها بضمير هل يحمون حق العبادة والكرامة الأنسانية لكل مؤمنين أم يستغلون القداسة لتبرير الحرب و العنف والإبادة لكن الواقع التاريخي يبيّن أن كثيرا من الأضرار كانت نتيجة عوامل بشرية قابلة للتغيير بالسياسة والعدالة لا مجرد قضاء مقدر لا مفر منه.


أستنتاجات عملية


١- تاريخ أورشلم وفلسطين يظهر تداخل قدسية ومصلحة سياسية هذا التداخل يفسر تكرار الإضطرابات أكثر من تصور وحيد بانها محك إختبار ألهي فقط ولكنها أطماع وسيطرة لنهب ثروات الشرق. 


٢- كانت هناك فترات من الاستقرار الاداري الطويل (مثلا تحت حكم إسلامي متماسك او تحت حكم عثماني نسبي الإستقرار) لكنها لم تكن إعفاءا من التمييز او الأحتكاك المحلي. 


٣- اذا اردنا أن نعالج الفكرة الأخلاقية فأن أورشلم بالفعل ترمومتر سلوك المجتمعات تجاه أهل المدينة وحقوق العبادة وكرامة سكانها يعكس مستوى مدنيتهم. ولكن الترمومتر لا يعمل تلقائيا مطلوب قرار سياسي و عدالة و حماية حقوق مدنية ودينية من جميع الأطراف.


٤- مسؤولية السلام هنا مزدوجة على أصحاب النفوذ والقوى الدولية التراجع عن سياسات تؤجج الصراع والإبادة وعلى المجتمع المدني والأديان أن يقدموا نموذج تسامح عملي يترجم القداسة ألى حماية للإنسان لا إلى سلاح للتمييز.


توصيات بحثية وسياسية


تمكين أصحاب الأرض الأصليين وحق العودة 

وتفكيك جيش الإحتلال ورجوع كلا لوطن أجداده. 


البحث عن صيغة إدارة مشتركة تحمي الحقوق الدينية والمدنية وتمنع إحتكار الإدارة لجهة واحدة.


دعم مبادرات بناء ثقة مجتمعية على الأرض العمل على برامج مشتركة تعليم تاريخي حقيقي موضوعي .


الضغط الدولي لانهاء سياسات تهجير او تمييز ضد سكان مدنيين وأحترام قرارات وقوانين أنسانية ودولية وتعويض ما لا يمكن تعويضه لأخوتنا الفلسطينيين وما عايشوه من دمار. 


ومهما كتبت لا يمكن إختزال ما حدث ويحدث في فلسطين الى مجرد قضاء وقدر دون ان نقر بدور الفعل البشري والسياسات التاريخية بيد ان المقصد الديني والفلسفي لا يختفي الإختبار إلهي موجود حين يختبر الله إخلاقية الناس في كيفية تعاملهم مع المقدسات والضعفاء. السلام الممكن في أورشلم يتطلب إرادة انسانية جادة إنصات للتاريخ وعدالة تطبيقية تحول القدسية من قضية مفصولة إلى جسر محبه يربط بين الناس بدل أن يقودهم إلى الإقتتال.

تعليقات