بقلم الدكتور :احمد صفوت. السنباطي
تطفو البصمة الوراثية على سطح العدالة الجنائية كمنقذ عظيم، قادم من عالم المختبرات الدقيقة بوعود يقينية تبدو مطلقة، حاملاً معه حلم القضاء في الوصول إلى الحقيقة المادية التي لا تحتمل التأويل أو الشك لقد غيرت هذه التقنية العلمية وجه التحقيقات الجنائية، فأعطت اسماً لرفات مجهولة، وربطت مشتبهاً به بمكان الجريمة بدقة مذهلة، وحلت جرائم باردة عجزت الأساليب التقليدية عن فك ألغازها لسنوات لكن تحت هذا السطح اللامع من الدقة العلمية، تكمن طبقات عميقة من الإشكاليات القانونية والفلسفية التي تهز مفهوم الإثبات الجنائي من جذوره فالبصمة الوراثية ليست مجرد رقم أو نتيجة مخبرية تقدم للقاضي على طبق من ذهب، بل هي حقل ألغاز من التحديات التي تبدأ من جمع العينة وتنتهي عند تفسير دلالتها في قاعة المحكمة، مروراً بتلك المنطقة الرمادية الخطيرة حيث تلتقي سلطة العلم المطلقة بحدود القانون المتشكك.
تبدأ الإشكالية من اللحظة الأولى، لحظة جمع الدليل فالحمض النووي مادة حساسة هشة، يمكن أن تتلوث بلمسة خاطئة، أو بنفَس محقق، أو ببيئة غير معقمة عينة صغيرة من اللعاب على عقب سيجارة قد تكون الدليل الذي يحل القضية، ولكنها قد تصبح بلا قيمة إذا اختلطت مع حمض نووي لأحد أفراد فريق البحث أو حتى مع عينة أخرى من مكان الحادث هذه الهشاشة تجعل سلسلة الحفظ سلسلة حياة أو موت للدليل، فأي ثغرة فيها تفتح الباب أمام الطعن في مصداقية النتيجة بأكملها، وتحول اليقين العلمي إلى شك قانوني يقوض الدعوى من أساسها فكيف يمكن للقاضي أن يثق في نتيجة مختبرية عندما تكون الطريق التي سلكتها العينة من مكان الجريمة إلى جهاز التحليل مليئة بالفجوات والاحتمالات؟
وتتعمق الإشكالية عندما ننتقل من مجرد وجود الحمض النووي إلى تفسير معناه فاكتشاف الحمض النووي للمتهم في مسرح الجريمة لا يعني بالضرورة أنه ارتكبها قد يكون مر هناك قبل يوم أو أسبوع لأسباب بريئة تماماً قد يكون حمضه النووي انتقل عبر وسيط ثالث، كملابس أو أدوات مشتركة، في عملية تسمى "النقل الثانوي" التي تجعل الشخص البريء يبدو مذنباً وهنا يصطدم اليقين البيولوجي بتعدد الاحتمالات الواقعية، ويجد القاضي نفسه مضطراً لفك شيفرة ليست جينية بل منطقية ما الذي يعنيه هذا الوجود البيولوجي في هذا المكان والزمان؟
الأكثر تعقيداً هو التعامل مع النتائج الإحصائية التي تصاحب عادة تقرير البصمة الوراثية عندما يقول الخبير إن تطابق الحمض النووي نادر جداً ويحدث بنسبة واحد في المليار، يخلق هذا الرقم لدى المحلفين والقضاة انطباعاً شبه مطلق بالإدانة لكن هذه الإحصاءات تعتمد على افتراضات ونماذج حسابية قد تكون موضع خلاف بين العلماء أنفسهم كما أن التركيز على هذه النسب الفلكية قد يحجب أسئلة أكثر أهمية عن ظروف جمع العينة ونقاء التحليل فالدقة الرياضية هنا تخفي وراءها هالة من القداسة العلمية قد تطغى على التحليل القانوني المتوازن.
ولا ننسى معضلة قواعد البيانات الوراثية الضخمة، التي تجمع حمضاً نووياً من مواطنين عاديين أو من أشخاص سبق توقيفهم البحث في هذه القواعد يسمح بحل جرائم بشكل مذهل، ولكنه يفتح باباً خطيراً على انتهاك الخصوصية الجسدية للإنسان، ويخلق مجتمعاً شاملاً للمراقبة البيولوجية أين تبدأ ضرورة مكافحة الجريمة وتنتهي حماية الحقوق الفردية؟ وهل يجوز الاحتفاظ بالبصمة الوراثية لشخص بريء تمت تبرئته؟ هذه الأسئلة تضع النظام القانوني على مفترق طرق بين الفاعلية الأمنية والأخلاق الحقوقية.
في قاعة المحكمة، يتحول التحدي إلى كيفية نقل هذه التعقيدات العلمية إلى قضاة ومحلفين ليسوا علماء وراثة كيف يشرح خبير الفروق الدقيقة بين أنواع الأدلة الوراثية، ومعدلات الخطأ المحتملة، وحدود الاستدلال؟ هناك خطر حقيقي من أن تتحول العلميات المعقدة إلى وعي زائف باليقين، حيث يُختزل الدليل المعقد في جملة "الحمض النووي يتطابق"، فتغيب كل الفروقات التحليلية والدلالية.
البصمة الوراثية قدمت للعدالة أداة قوية لا مثيل لها، لكن هذه القوة تجعل من واجبنا التعامل معها بحذر أكبر، لا بهيبة أعمى فهي ليست نهاية التحقيق بل بداية لتحقيق أكثر عمقاً، وليست دليلاً قاطعاً بذاته بل جزءاً من فسيفساء الأدلة التي يجب أن تتكامل الإفراط في الثقة في العلم قد يؤدي إلى إهدار العدالة كما يفعل الجهل به التحدي الحقيقي هو بناء جسر متين بين منهجية المختبر الصارمة وفطنة قاعة المحكمة، بين لغة الأرقام ولغة القانون، حتى لا تتحول المعجزة العلمية إلى فخ قانوني يُحكم به على الأبرياء أو يُفلت من خلاله المذنبون في هذا التوازن الدقيق بين سلطة العلم وعدالة الإنسان تكمن روعة التحدي وأهميته

تعليقات
إرسال تعليق