القائمة الرئيسية

الصفحات

الهاتف الذكي السارق الصامت لأعمارنا - بوابة الاخبارية نيوز

الهاتف الذكي السارق الصامت لأعمارنا

 




بقلم:   وفدي عبدالواحد
دخل الهاتف الذكي حياتنا باعتباره وسيلة للاتصال والتقارب، لكنه تحوّل تدريجيًا إلى أكثر الأشياء حضورًا وتأثيرًا في تفاصيل يومنا، حتى بات السارق الصامت لأعمارنا دون أن نشعر. لم يعد مجرد جهاز في أيدينا، بل أصبح ضيفًا دائمًا على موائدنا، ورفيقًا لأوقات فراغنا، وحاضرًا في لحظات كان يفترض أن نعيشها بوعي كامل.
في مشهد يتكرر يوميًا، تجتمع الأسرة في مكان واحد بينما تغيب الروح عن الجلسة. كل فرد منشغل بشاشته، يبتسم لما يراه، ويغضب مما يقرأه، ويتفاعل مع عالم بعيد، في حين يبهت التواصل الحقيقي مع الأقرب. لم يعد الصمت علامة راحة، بل أصبح نتيجة انشغال جماعي بلا حوار.
الأخطر أن الهاتف لم يسرق الوقت فقط، بل أعاد تشكيل طريقة تفكيرنا. المحتوى السريع اختصر الأفكار، وأضعف القدرة على التركيز، وجعل الصبر عملة نادرة. أصبحنا نبحث عن المتعة الفورية، ونهرب من أي مجهود ذهني، حتى بات التفكير العميق عبئًا لا نحتمله طويلًا.
ومع سيل الصور والمقارنات، تآكل الإحساس بالرضا. نرى نجاحات الآخرين دون أن نرى تعبهم، ونقيس حياتنا بلحظات مصفاة ومنتقاة بعناية. هكذا يولد الشعور بالنقص، ويكبر الإحباط، رغم أن الواقع أكثر اتزانًا مما تصوّره الشاشات.
ورغم ذلك، لا يمكن تجاهل الوجه المشرق للتكنولوجيا. فالهاتف أداة فعّالة للتعلم والعمل والتواصل، متى أُحسن استخدامه. المشكلة ليست في الجهاز، بل في غياب الوعي والحدود. فكل ما زاد عن حده انقلب إلى ضده.
ربما نحتاج إلى وقفة صادقة مع أنفسنا. أن نغلق الهاتف قليلًا، ونفتح باب الحوار، ونستعيد لحظاتنا البسيطة التي لا تُلتقط بصورة ولا تُنشر، لكنها تصنع معنى الحياة الحقيقي.فالهاتف يجب أن يكون في خدمتنا، لا أن نكون أسرى له.

تعليقات