القائمة الرئيسية

الصفحات

الإله في الوعي الإسلامي المعاصر.

الأديبة والمفكرة الدكتورة حكيمة جعدوني.

• دراسة نقدية لغوية–فقهية في مفهوم الذنب وبعض المصطلحات وعدالة الرحمة الإلهية.

تتنامى الإشكالية الأساسية داخل الوعي الديني الشعبي من خلال تناقض ظاهري في صورة الرحمة الإلهية مما يجعلنا نطرح تساؤلات جوهرية:
كيف يكون الإله رحيما غفورا لكل ذنوب العصاة، فيمنحهم راحة مطلقة مع كل معصية، ويغدق عليهم وعودا بالأمان كلما عادوا يطلبون الغفران. فيردد الناس: «إن باب الغفران مفتوح أمامنا كلما عدنا»، وفي المقابل، يسير المؤمن في درب الامتحان بصدر يتلقّى الصدمات تلوى الأخرى، وكأن الإله قاسيا معذّبا للمؤمنين، يبتليهم ويفرض ثقلا من الابتلاءات والامتحانات ليختبر صبرهم؟
كيف لإله يقول للمجرم: لا تخف، سأغفر ذنوبك جميعا، ويقول للمؤمن: عليك أن تذوق كل أنواع البلايا، ينتظر منه أن يتجاوز كل امتحان، حتى ينظر في أمره: أيغفر له أم لا أكل رغيف لا يحلّ له.

وتستمر الإشكالية في الزاوية الاجتماعية نفسها:
كيف لإله يقول للزوجة: ستلعنك كل ملائكة السماء إن لم تلبّ نداء الجسد، فيجعل من عدم طاعتها لزوجها معيارا لغضب الملائكة، وفي الوقت نفسه يقول للزوج أنه سيغفر له الذنوب جميعا إن استسلم لنومه، وترك صلاته خلف جدار اللامبالاة، أو أضاعها عمدا في غفلة أو كسل؟

تتجلّى الإشكالية الكبرى في البنية الذهنية الشعبية للعقيدة من خلال تصور يخلق تناقضا ظاهريا بين الرحمة الإلهية والعدالة الإلهية. فالمتداول بين الناس أن باب الغفران مفتوح دائما للعصاة، وأن العودة بعد كل معصية تمنح صاحبها حصانة مطلقة، وكأن السلوك الإنساني لا يحمل تبعاته. ومن جهة أخرى، يقدّم المؤمن الملتزم بصفته النموذج الذي يتعرّض لأشدّ الابتلاءات، ويحتكم عليه بقسوة تفسّر بأنها امتحان، أو عقاب، أو غربلة لصفائه الروحي ليسمو ويرتقي في المراتب.

هذا "التناقض" المدرك ليس من صميم الآيات القرآنية نفسها، وإنما هو نتاج تراكمات روايات، وأعراف، ومرويات، شكّلت عقلا فقهيا شعبيا قائما على فهم انتقائي وظلال من معاني الكلمات، وتلبّست الدلالات واختزلت في بوتقة واحدة، فتداخلت المصطلحات وتحوّلت إلى منظومة غير منسجمة.

إن الإله الذي يظهر بهذه الازدواجية، ليس صورة الوحي، بل صورة نفس تريد إلها ليّنا متساهلا مع العصاة حين يخدم أهواءها، وشديدا مع المؤمنين حين يخدم سلطتها الأخلاقية والاجتماعية.
ولفكّ هذا التشوّه والإلتباس المفاهيمي في التصور الديني الشائع بين الناس عن عدالة الرحمة الإلهية، لا يكفي النقد، وإنما يلزم علينا الرجوع إلى المصادر اللغوية، وإعادة بناء المفاهيم كما وردت في النص القرآني. سنكشف تمييزا واضحا بين مصطلحات ظنّها العامّة مترادفة حيث ضمّها في كلمة شاملة لكل أنواع المخالفات:
التأصيل اللغوي للمفاهيم الأخلاقية في القرآن غاية في الأهمية، فكلمة "ذنب" ليست كلمة "سيئة"، وهذه ليست كلمة "خطيئة"، وكلّها تختلف عن "الإثم"، و"الوزر"، و"المعصية"، و"الجرم"، و"الفاحشة"، و"الموبقات"، و"اللمم.
الفروق بينها دقيقة، بنى عليها القرآن أحكاما أخلاقية، إلا أن العامّة دمجوها في لفظ واحد، فصاروا يرون كل مخالفة "ذنبا" يغفر بكلمة.
فكل لفظ قرآني يحمل سلّما دقيقا للخطأ ومسؤوليته:
وزر الشيء، حمله: لا تؤاخذ نفس بذنب أخرى.
الذنب: أواخر الأمور وعواقبها، صغائرها البسيطة.
الخطيئة: ما عظم من الذنب، مخالفة الشريعة الإلهية.
السيئة: ما ألحق الضرر بالآخرين.
الفاحشة: الكبائر المستفحلة كالزنا.
الموبقات: المهلكات السبع المذكورة في الحديث: الشرك بالله، السحر، قتل النفس المحرّمة، أكل الربا، أكل مال اليتيم، التولّي يوم الزحف، قذف المحصنات المؤمنات.
اللمم: صغائر الذنوب.
الإثم: ما عمل الشخص من حرام.
المعصية: مخالفة، عدم طاعة.
جرمة: القتل.

بهذه الدرجات تتضح منظومة العقاب والثواب الإلهي ومفهوم المسؤولية، فيغدو الذنب شيئا، والسيئة شيئا آخر، والخطيئة مقاما ثالثا، والإثم بابا مختلفا وهكذا ...

إن التمييز الصريح في الذكر الحكيم يبين لنا: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. {الزمر}.

الله يغفر الذنوب، والذنب هو آخر الشيء وطرفه يعني أبسط الأمور: نظرة غير مقصودة، خطأ غير متعمّد، غضب عابر، وحديث نفس. وهذه يغفرها الله للمؤمن. ولم يرد بالذنب السيئات، ولا الكبائر، ولا الموبقات، ولا الخطيئة، ولا الإثم، ولا الوزر، ولا الفواحش، فهذه تحتاج إلى كفّارة وعقوبة وتوبة.
يظن الناس أن المعصية والسيئة والإثم والخطيئة والذنب شيء واحد، لذلك أقدموا على فعل كل شيء. لكن النصوص القرآنية توضّح التفريق بينها. 

تمييز الذنب عن السيئة يتجلى في الآية: رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا. سورة آل عمران 193.
    المغفرة للذنوب أي الصغائر وأما التكفير فيكون للسيئات أي الأعظم.

وهنا تمييز الكبائر عن السيئات في: إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا. سورة النساء 31.
  باجتناب الكبائر يؤدي إلى تكفير السيئات وهنا أيضا الكبائر ليست نفسها السيئات.

تمييز الخطيئة عن الإثم في الآية: يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا. سورة النساء 112.
   التفريق بين الخطيئة ألا وهو الذنب العظيم والإثم المتمثل في التعدي على الحقوق. 

تمييز السيئة عن الخطيئة في الآية: بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ. سورة البقرة 81.
   فهنا السيئة تختلف عن الخطيئة في الدرجة والعقاب.

قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ ۚ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ﴿٣١ الأنعام﴾.

لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴿٧٨ المائدة﴾.

وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴿١٤ النساء﴾.

الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ۚ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ۖ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ ﴿٣٢ النجم}.

كل مفردة لها حكمها الخاص، وكل مستوى من مستويات الأخطاء الإنسانية له علاقته بالرحمة والعقاب، فلا تختلط الدرجات ولا تختفي الفروق الدقيقة بين الذنب واللمم والوزر والخطيئة والمعصية والسيئة والجرم والإثم والفاحشة والموبقات.

وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ ﴿١٤ الشعراء﴾.

بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ ﴿٩ التكوير}.

وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿١٠٢ التوبة﴾

يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا ۚ وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ ۖ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ ﴿٢٩ يوسف﴾

قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ ﴿٩٧ يوسف﴾.

لم ينشأ التصور الشعبي من القرآن، ولكن من "عقلية أعرابية" أسقطت عادات القبيلة على مفهوم الإله:
• تحول دلالة "الذنب" من الهفوات البسيطة إلى مصطلح شامل لكل المخالفات الإنسانية.
• الانزياح السلوكي الإنساني حيث عمّمت الغفران على الكبير والصغير إذ أصبح "باب المغفرة" ذريعة للاستمرار في ارتكاب المعاصي والموبقات.
• استعملت مفهوم "الابتلاء" لتفسير فقر الصالحين وقوة الظالمين.
• منحت الرجل امتيازات أخلاقية لا أصل لها من الصحة.
• تحويل الطاعة الجسدية إلى ركن مقدّس يتجاوز عبادة المرأة لربّها.
وهذا ينافي قول الله:
تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴿١٦ السجدة﴾
• فسّرت العدالة الإلهية تفسيرا منحازا لسلطة الذكر والمجتمع.
• الانحراف القيمي في تغير مفهوم الرحمة الإلهية من عدالة شاملة إلى ازدواجية مُفترضة، فخلقت النفس "إلها" على مقاس أهوائها بافتراض تفضيل العصاة على الملتزمين.
• اختلال موازين الثواب والعقاب.

ولذا فالعلاج يكون من خلال: العودة إلى اللغة الأصلية للنص القرآني، وفهم المصطلحات في سياقاتها المختلفة، باستعادة التوازن بين العادات والعبادة الإلهية وتصحيح الصورة الذهنية المشوهة عند عامة الناس بالنسبة للعدالة الإلهية عبر القرون الماضية.
• موازنة الخوف والرجاء داخل النفس الإنسانية، فكلّ منهما يصنع يقظة روحية تحفظ الإنسان من العبث والقنوط، لأن الخوف يمنع المرء من الاستمرار في المعصية، في حين أن الرجاء يمنع من اليأس من الرحمة الإلهية، وعدالة الله تضمن توازن النظام الأخلاقي.

إن المغفرة الإلهية مشروطة بالتوبة: إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا. سورة الفرقان 70.

إدراك أن الابتلاء الإلهي لعبده المؤمن ارتقاء، وليس عقابا: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ. سورة محمد31.

هذه الدراسة تسعى إلى تأسيس مرجعية مفاهيمية تعيد بناء التصور الصحيح للعدالة الإلهية في روح قرآنية نقية، بعيدا عن الالتباسات التي شوهت الفهم الديني بأكمله..

إن الهدف هو استرداد المفاهيم بهاءها، وللنفس ميزانها، وللخطيئة حدّها، وللذنب مقامه، وللسلوك الإنساني مسؤوليته التي خلق من أجلها.

فحين يفقد هذا النسق، تتكرر أخطاء الأمم السابقة؛ كما ضلّت طوائف من أهل الكتاب من قبل وهم اليهود والنصارى وحادوا عن رسالة أنبياءهم، فإن هذا المسار قد طال شرائح واسعة من المجتمعات المسلمة المعاصرة؛ فالأعراب ما يزالون يتشبّثون بالكتاب والنبي تشبّثا شكليا لا يتجاوز ظاهر الشعائر. وكثير ممن يعدّون أنفسهم من المسلمين قد انصرفوا عن شرع الله، فكفروا بها كما كفر من قبلهم اليهود والنصارى، وصار حالهم كحال من سبقهم لأنهم لا يحكمون بما أنزل الله. فأين الذين يلتزمون بحكم الله التزاما كاملا، لا تزلزله الشهوات ولا تميّعه الأعراف؟

لما رفعت النبوّة عن الأعراب كما رفعت عن اليهود والنصارى، لم يبق فيهم من نور النبوّة شيء. صاروا مخدوعين ومضحوك عليهم، لبس عليهم الشيطان حتى ظنّوا أنهم على هدى.

الذّنوب في ميزان الشرع هي الصّغائر التي يُسأل عنها العبد، أمّا المراتب الأعظم من الإفك والجرائم والسيّئات، فهذه سماها الله بأسمائها، ولم يُدرجها تحت اسم “الذنب”.

فالذّنوب التي يغفرها الله هي ما يقع ممّن لا وعي له أو لا يملك القدرة على الاختيار؛ كطفل صغير سرق وهو لا يدرك، أو نائم قام فقتل وهو غير واع، فهؤلاء مرفوع عنهم القلم. كالصغير غير المكلّف، والنائم غير الواعي، والمجنون فاقد العقل.

وقد قال النبي ﷺ: رُفِعَ الْقَلَمُ عن ثلاثة: عن النائم حتى يَسْتَيْقِظَ، وعن الصبي حتى يَحْتَلِمَ، وعن المجنون حتى يَعْقِلَ.

وكذلك من أكره على ارتكاب الفاحشة، كمن قيل له: «ازن وإلّا قتلناك»، فوقع في الفعل مكرها.

لكنّ الناس أوهموا بأنّ الله يغفر لهم كل شيء مهما فعلوا، حتى ظنّ بعضهم أنّ مجرد استغفار لفظي، أو حجّة يؤدّيها، كاف ليمحو جرائم الدماء. فقد يقتل رجلٌ طفلاً بريئًا ثم يقول: «تبتُ، واستغفرتُ، وسبّحتُ، وذهبتُ إلى الحج»، مع توقع مغفرة آلية توهم بأن حقوق المظلومين تلغى بكلمات استغفار أو شعائر شكلية.

فأين حقّ الطفل المظلوم؟ وأين دموع أهله؟

 ولو كان الأمر كما يزعمون، لكان أبو لهب أولى بالمغفرة، الذي كان يطوف بالكعبة ويعرف حق الجوار وكان أكثر تهذيبا وأرفع أدبا من كثيرين في زماننا.
غير أنّ القرآن وضع حدا لهذا الادعاء في أول السور.
 
 مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا 13 سورة نوح.

لقد قصرت الأمم عبر العصور في وقار الله تعالى، فما عظّمته حق تعظيمه، ولا وقرته حق توقيره، واستهانت بعظمته، فحجبت عنه الإجلال والتبجيل، وحطّت من شأن الدين إلى مستوى العادات والمظاهر الشكلية.

أمّا الوهم الآخر، الذي جعل الاستغفار عدّا بالأصابع، والتسبيح تكرارا أو صلاة ركعتين بنية التوبة، وجعل من صيام يوم واحد كما يوم عاشوراء، محوا تاما لمسار حياتي كامل من الذنوب والمعاصي، مهما عظمت وخطُرت، فهذا من تلبيس الشيطان.  
والقرآن في ذلك واضح صريح لا لبس فيه:  

فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ 7 وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ 8 سورة الزلزلة.

وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ 47 سورة الأنبياء.

فإن كانت قد محيت كلها في الدنيا، فلماذا تعرض الذرة يومئذ على الميزان؟ ولماذا تحاسب النفس على مثقال حبة الخردل؟ إن عدل الله تعالى لا يضيع مثقال ذرة، ولا يغفل عن صغيرة أو كبيرة إلا بمقتضى رحمته التي وسعت كل شيء، ولكن وفق حكمته البالغة وميزانه الدقيق.
لقد أعزّ الله الأعراب بالإسلام، فلما تركوا هديه عادوا إلى الذلّ والهوان، لا يرفعه نسب ولا كثرة. إذ لا قيمة لهم بعيدا عن تعاليم الإله.

وأما التسريبات والفيديوهات المتداولة عبر مواقع التواصل والإعلام التي تكشف ما يجري داخل الأسر وتنتشر كالنار في الهشيم، فهي علامات إلهية، بأن ما يحدث في البيوت فضائع رهيبة، وتلك نذر مزلزلة وإشارات تدل دلالة قاطعة على أن الفساد قد استشرى، فنخر البنية الأخلاقية للمجتمع من داخلها كما ينخر السوس الخشب، حتى إذا ظهرت آثاره على السطح كان الداء قد استحكم. وما يظهر على الشاشات من مناظر هو غيض من فيض، ودليل على أن ما خفي من الرذائل أعظم وأخطر. لقد بلغ الفساد في المجتمعات العربية مبلغا صارت معه كالثمرة الفاسدة التي يعلوها العفن، بعد أن أكل الردى لبها وحلاوتها.
فالأعراب أصبحوا كما اليهود، يفسدون في الأرض، حيث تكرر في تاريخ الأمم أنّ ضياع الهداية يجرّ إلى فساد الأرض، وقد حذّر النبي ﷺ الأعراب من اتباع طرائق من سبقوهم في الفجور والضلال، كما تفعل اليهود.

قال رسول الله ﷺ: (اتقوا الدنيا واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء). رواه مسلم
فالنصارى وقعوا في الشرك، وأمّا الفساد الظاهر في بلدانهم اليوم فسببه وجود اليهود بينهم ونفوذهم في مجتمعاتهم، كما يرى بعض أهل العلم في التحليل التاريخي. ويظهر الفرق واضحا؛ أمم بعيدة عن الوحي، كالشرقيين والبوذيين، تحتفظ بمستويات أخلاقية أكثر اتزانا مما يعيشه عالم المسلمين الذي يدّعي حمل الرسالة النبوية. 
وقد أخبر النبي ﷺ أنّ هذه السنن تتكرر، فقال: لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن قَبْلَكُمْ شِبْرًا بشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بذِرَاعٍ، حتَّى لو سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ، قُلْنَا: يا رَسُولَ اللَّهِ، اليَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قالَ: فَمَنْ؟ صحيح البخاري.

كان التحذير النبوي موجها إلى الأعراب؛ ليتنبّهوا لسنن من سبقهم، فإنّ التشبّه باليهود في مسالك الفكر والسلوك سبيل إلى الانحراف عن عهد الله، ويصيرون مثلهم في نهاية المطاف.

إن المسألة خطيرة جدا، إذ أن البشرية كلّها تعامل الإله باستخفاف، فالإنسان يرفع مقام الخلق ويقصي مقام الخالق. يظهر الورع بين الناس، ويخفى الجرأة على المعصية في الخلوات، فتقع النفس في موقف متناقض: تتجنّب ارتكاب الفاحشة أمام الخلق، وتمارسها أمام خالقها دون حياء. وهذا يكشف مكانة الإله في ضمير العاصي، ومدى هشاشة المهابة التي يحملها قلبه تجاه ربّه الذي لا تخفى عليه خافية. فإذا هو يستهزئ بالله.

وتحدّد الشريعة موقف الإنسان من الإيمان والكفر بما ينعقد في قلبه وتدلّ عليه إرادته؛ فحين يتعمّد العبد مخالفة أمر الله، ويستمرّ في ارتكاب الفواحش والسيّئات وهو عالم بحرمتها، مستخفّ بما جاء به الشرع، فإنّ هذا الانحراف يفتح بابا خطيرا على عقيدته، إذ يصير كافرا، ويخرج من دين الله.

ويظهر هذا الخلل في مواقف الصمت عن الظلم؛ فالصامت عن الباطل يعطّل وظيفة الشهادة التي حمّلها الله للإنسان، يرى المجازر تقع في فلسطين الدولة المجاورة ولا تتحرك فيه نخوة، وكأنّ الدم المسفوك لا يطال ضميره. والساكت عن الحقّ شيطان أخرس.

فإذا تخلّف المسلم عن القيام بواجب نصرة المظلوم وردع الظالم، صار سكوته مشاركة في جريمة القتل، وإن لم يحمل سلاحا، ولكنه يترك السلاح في يد الظالم المعتدي يبطش بأخيه المسلم.

 تجد الأعراب عاجزين عن نصرة بعضهم، يتركون الأرض تنتهك وتستباح وهم صامتون، بينما الأمم الغربية تجتمع عند أول تهديد لواحدة منها، تجتمع بجيشها وسياستها واقتصادها، وتدافع عن حدودها كما تدافع عن وجودها.

وتكثر اليوم صور القتل ما تتستّر خلف مظاهر تبدو طبية. الإجهاض الذي يمارس بلا ضرورة، صورة من صور وأد الأطفال المعاصر، أليس هذا قتل خفي؟ 

والدواء الذي يعلم المختصّون أثره القاتل ولا يُبيّنون، ولا يتكلمون عن ذلك. أليس هذا قتل خفي؟ 

وتتجلّى المعضلة ذاتها في معاملات الناس. كحال من يرى راشيا غصب حقّ بريء وسيق إلى السجن ظلما ولا يصدع بكلمة الحق، فيحمل وزر السكوت والمشاركة في الظلم. إذا هو والمرتشي سواء.

تتكدس في الواقع صور شتى من الانحراف الأخلاقي وغياب المهابة الدينية، حين ترفع شهادة الزور، ويختلّ ميزان العدل، لأن اللسان الذي يشهد بغير الحق يغيّر مصير إنسان. وتتجسّد المأساة عينها في السلوكيات التي تغتال الفطرة. ممارسة فاحشة قوم لوط، فينهدم البناء الأخلاقي من داخله، لأنه يعتدي على نظام الخلق الذي قامت عليه السنن. وتظهر آثار هذا الانهيار في الأسرة بين أفراد العائلة الواحدة قبل المجتمع، حين يرى الأب أبناءه وبناته في الشوارع عراة وقد تهاوت منهم الحشمة والغيرة على الدين، ويظل ساكنا لا يزعزعه إيمانه.

وفي ميدان الأمة المسلمة الواسع، يبرز السؤال الأكبر: خمسون دولة وأكثر تحمل شعار الإسلام في بياناتها الرسمية، وفي مواسم العبادة تتدفّق الأموال بوفرة لا تحصى، ويعبر الناس إلى الحرمين لأداء مناسك الحج أو العمرة في مواكب عظيمة، بينما أرض فلسطين تستقبل مئات الآلاف من الشهداء، ولا جهاد قائم. تنفق التريليونات على الرحلات الموسمية التي لا تقدّم عزّةً ولا نصرة، بدلا من أن تدفع الظلم عن أرض مقدسة تنادي لأنها تنزف دون توقف لسنوات وسنوات. ولو تجمّعت تلك الأموال في صندوق واحد معلَن يهدف إلى تحرير المسجد الأقصى، لغيّرت موازين القوة، ولأربكت المحتلّ، ولسكنت قلوب المستضعفين قوةً بعد ضعف. لو كانت اليهود أو النصارى مكان الشعوب العربية المسلمة لكانوا فعلوها من أول يوم أزهقت فيه روح طفل بريء.

 يقف المسلم اليوم متفرّجا على من يمارس الموبقات، فإن موقفه يعبّر عن اختلال في واجب النهي عن المنكر، لأنّ الساكت عن الشر يمنحه أرضا خصبة لينتشر أكثر وأكثر. إذا هو مشارك معه في ذات الكبائر.

ومن علم ظلم حاكمه، وامتلك من القوة والقدرة على إعلان موقفه وما يتيح له إنكار الجور، ثم يلتزم الصمت، فإنّه يتحوّل إلى موافقة ضمنية وإقرار بما يجري على الأرض المقدسة من دم يسفك. إذ أنه امتنع عن الخروج في مسيرات مشروعة أو وقفات التي تنصر بها القضايا العادلة ألحق نفسه بحكم الظالم في الميزان في العقوبة، لأنهما سواء في تعطيل الحقّ.

في زمن كهذا، وما ما نراه من تخلّف عن تعاليم الإسلام، يشير إلى أن:

المسلمين لا دين ولا رسول لهم، لقد انتقلت شرف الرسالة لمن يحفظ عهد الله، ويلتزم بالسنة، ويُقيم حدود الله في نفسه وأهله ومجتمعه.

وقصة آدم أكبر مثال على اختبار العهد الإلهي؛ فقضمه واحدة نهى الله عنها أخرجته من الجنة، فاعتبر عاصيا. فكيف بمن يتعمّد ارتكاب الكبائر التي هدمَت الأمم؟ 

 

هذا الكتاب الذي يستقرّ على رفّك، يحمل شهادة عليك. والغبار الذي يعلو صفحاته ولم تزله، يأتي غيرك، يزيحه عنه ويقرأه ويطبق تعاليمه بحذافيرها حتى يصلح دنياه وآخرته؛ إذا هو أحق به منك، لأن عمل بما جاء فيه. دين الإسلام من حق من يصونه عملا وسلوكا.

قَدِمَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ المَدِينَةَ فَرَأَى اليَهُودَ تَصُومُ يَومَ عاشُوراءَ، فَقالَ: ما هذا؟ قالوا: هذا يَوْمٌ صَالِحٌ؛ هذا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إسْرَائِيلَ مِن عَدُوِّهِمْ، فَصَامَهُ مُوسَى. قالَ: فأنَا أحَقُّ بمُوسَى مِنكُمْ، فَصَامَهُ، وأَمَرَ بصِيَامِهِ.

مع الزمن ابتعد المسلمون المنتسبون إلى دين الإسلام عن تعاليمه، فصار الدين بريئا منهم. الرسالة التي جاء بها محمد تنتقل إلى الذي يحفظ عهده مع الله، ويلتزم بسنة النبي، ويبتعد عن المحرّمات التي جاء التحذير منها، ويقيم حدود الله في نفسه وأهله ومجتمعه، أجدر بأن يحمل راية محمد ودينه بين الناس.

الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (97) سورة التوبة.

تتكرّر اليوم ذات المواقف التي ظهرت في بني إسرائيل حين أعرضوا عن أوامر أنبيائهم، فصار الربا والزنا أمرا شائعا بين المسلمين، مع أن النصوص الشرعية جاءت بالتحريم القطعي. فهل من فرق إذا بين من أمر فاتّبع الهوى، وبين من أمر فأعرض؟ لا، لقد تحوّل المسلمون الآن إلى يهود.

وعند المقارنة بين واقع الأمم، تظهر الفجوة بين ما بلغته بعض الدول الغربية من تقدم معرفي وأخلاقي، وبين ما آل إليه حال المجتمعات المسلمة. طفل بريطاني نال الدكتوراه وعمره لم يتجاوز الثالثة عشرة، شاهدا على رعاية العقل وتنمية المواهب، فوقته كله كرّسه ليصبح دكتورا، صرف جهده وفكره في ذلك. بينما في الجانب الآخر، تظهر مأساة أخرى في بيئة أهملت القيم والأخلاق، حيث وقعت طفلة بسن 4 سنوات ضحية انحراف فاضح في الأسرة والمجتمع العربي المسلم، إذ ارتكبت جريمة لا تقبلها الفطرة ولا الشرع، لما أزهقت حياتها البريئة في مشهد مأساوي على يد أخوها البالغ من العمر 13 سنة وهو يغتصبها حتى الموت. فلك أن تنظر فيما صرف جهده ووقته وتفكيره!

ثمّ يظهر إنسان اليوم ليقول: أنا مسلم، بينما أفعاله تناقض كلّ ما جاء به الإسلام من صدق وعدل وطهارة والتزام

كان الأولى به أن يصرّح بإلحاده بدل أن يدّعي أنه مسلم، ما دام يفعل ما يفعله. على الأقل، حين يكون المرء ملحدا بلا دين ولا إله يحتجّ بهما، لكنه منشغل بما يفعله باعتباره إنسانا، لا مدّعيا القداسة وهو يقترف ما يناقضها.

الله ورسوله بريئان مما تفعله هذه الأمة، وهو الذي قال في الغش: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» فإذا كان الغش وحده يبعد الإنسان عن أمّة محمد، فكيف بحال من يتجاوز ذلك إلى ما هو أشدّ، فيجاهر بالمعاصي، ويبارز الخالق بأنواع الموبقات، تجده يزني بأمه ثم يخرج يردد بلسانه: بسم الله، سبحان الله، الحمد لله، لقد غفر لي ربي ثم يستلقي وهو مرتاح؟ أيّ جهل هذا الذي يجعل المرء يرتكب أعظم الآثام ثم يلبسها ثوب القداسة.

لما تدرس الديانة اليهودية تجد ذلك، يزني ببناته ثم يقول الله غفر لي ذلك، أو أمرني به، فما الفرق بين المسلم واليهودي؟ لا فرق بينهما، لأن كلاهما يفعلان نفس الشيء حاليا. اليهود على الأقل أسسوا لدينهم، أعدوا العدّة، وضعوا دولة، ينصرون ديانتهم الظلمانية وابليس وجنده ولو كانت باطلة، بينما المسلمين الذين يعرفون كتاب ربّهم وسنة نبيهم، لم ينصروا ربهم ولا دينهم ولا رسولهم!

وتتجلّى المأساة حين ترى أن الأمة التي تحمل أوسع دين على وجه الأرض، ولكن أتباعها لم يتركوا شيئا إلا وفعلوه، إن لم يغتصبهم عدوهم، اغتصبوا بعضهم البعض. التاريخ يشهد أن انهيارا لبلدانهم لا قبل له، شعوبهم متباعدين ومتخاصمين، متناحرين على المصالح، وقد تم الاستحواذ على ممتلكاتهم، نساؤهم مشردين، وبناتهم جاهلات، لا يبتكرون ولا يصنّعون وفوق كل ذلك يدفعون أموالهم بالتريليونات كغنائم للدول الأخرى. دمرت منازلهم ومساجدهم، واشتروا أسلحة متحكم فيها أو منتهية الصلاحية، وانتشرت في أرضهم موجات من الدمار والفساد.

لم تعرف البشرية مهزلة بهذا الحجم كما شهدتها أمة محمد، ولم يشهد التاريخ سقوطا حضاريا أشدّ مرارة من التراجع .

تعليقات