القائمة الرئيسية

الصفحات



بقلم/نشأت البسيوني 


هناك جراح يا صديقي لا تحتاج إلى كلام

ولا إلى شرحٍ أو تبرير

هي جراح ناطقة بصمتها

تعبر عن نفسها دون حروف

تسكنك في هدوء يشبه هدير البحر في عمق الليل

لا يراه أحد لكنك تسمعه أنت كل لحظة

حين تتكلم الجراح بصوت الصمت

تصبح ملامحك كتابا مفتوحا لا تقرؤه العيون

لكن الأرواح الحساسة وحدها تفهمه

ذلك الحزن الصامت الذي يقيم خلف ابتسامتك

هو اللغة التي لا يتقنها سوى من ذاق الخذلان

لا حاجة لك أن تبرر وجعك

ولا أن تشرح سبب حزنك

فالجراح لا تحتاج إلى جمهور لتتحدث

هي تعرف طريقها إلى الله مباشرة

تُكلمه في السجود

في العزلة

في الصمت الذي يملأ الغرفة بعد منتصف الليل

حين يعجز اللسان عن الشكوى

حين تتكلم الجراح بصوت الصمت

تدرك أن بعض الألم لا يشفى بالكلام

وأن البوح أحيانا يزيد الجرح عمقا بدل أن يخففه

فتفضل الصمت

ليس لأنك ضعيف

بل لأنك تعلمت أن بعض الوجع مقدس

لا يليق أن يروى لكل عابر

ذلك الصمت يا صديقي ليس فراغا

بل امتلاء بالحكايات التي لم تقال

بالدموع التي لم تجد طريقها إلى العين

وبالرسائل التي تاهت قبل أن تصل

تجلس وحيدا

لكنك لست وحيدا حقا

فأوجاعك حولك تتحدث بلغتك

تذكرك بما كنت

وبما صرت بعد كل انكسار

حين تتكلم الجراح بصوت الصمت

تصبح نظراتك أصدق من كلامك

وصمتك أكثر فصاحة من كل لغات العالم

الناس يرونك هادئا

ولا يعلمون أنك في معركة داخلية لا ترى

بين قلب يريد البوح

وعقل يطالبه بالتماسك

هناك أوجاع لا تحكى

لأنها أكبر من الحروف

وأصدق من العبارات

وأعمق من الفهم البشري

تلك الجراح يا صديقي تصبح جزءا منك

تشكلك من جديد بصمتها

حتى إذا تعافيت

تبقى نغمتها الخفية تسكنك

تذكرك أنك نجوت

لكن بثمن لا يراه أحد

حين تتكلم الجراح بصوت الصمت

تتعلم أن الهدوء نوع من الشجاعة

وأن التحمل صلاة طويلة بلا كلمات

تتعلم أن الله يسمع أنينك الذي لا يسمعه أحد

ويفهم وجعك الذي لم تستطع تفسيره حتى لنفسك

فتصمت وتسلم

تترك الجراح تتكلم بطريقتها

تعبر عنك دون ضجيج

حتى تتحول بمرور الوقت إلى ندبة لا تؤلم

بل تذكرك أنك كنت يوما قويا بما يكفي لتنجو

وفي النهاية

حين تتكلم الجراح بصوت الصمت

تكتشف أن الشفاء لا يأتي دفعة واحدة

بل يأتي على هيئة هدوء خفيف يتسلل إليك في الليالي الطويلة

على شكل رضا غير مبرر

وسلام داخلي لا تعرف متى بدأ

تدرك حينها أن جراحك لم تكن عبثا

بل كانت طريقا صامتا نحو النضج

نحو الله

ونحو نفسك الحقيقية التي لم تكتشفها إلا حين تألمت

فاصمت يا صديقي

واترك جراحك تتكلم كما تشاء

فهي تعرف كيف تخبر الله بكل ما عجزت أنت عن قوله

تعليقات