القائمة الرئيسية

الصفحات


بقلم/نشأت البسيوني 


لم يكن اليوم عاديا لم تكن السماء زرقاء كما اعتدت رؤيتها ولم تكن الأرض مستقرة تحت قدمي كان كل شيء يشبه لحظة ما قبل الانهيار تلك الثواني التي تتجمد فيها الحياة كأن الزمن يحبس أنفاسه مترقبا شيئا عظيما سيحدث شيئا لا يمكن التراجع عنه


في ذلك اليوم تحديدا أحسست بأن القلب يتعب بطريقة لم أعهدها من قبل ليس تعبا يشبه الإرهاق ولا توقفا يشبه الاستراحة بل تعب يشبه النهاية كأنه يريد أن يسلمني آخر ما بقي منه ويقول لي بصوت لا يسمع


هذا كل ما استطعت ولم أعد أقدر

حاولت أن أرفعه أن أحميه أن أضع عليه ضمادة من الكلام الطيب لكن الكلام كان كذبا وكان الطيب مصطنعا وكان الوجع أعمق من أن يصلح بكلمة أو وعد أو اعتذار جاء متأخرا حاولت أن أستعيده لكنه كان قد اتخذ قراره


مات القلب

مات بطريقة تشبه انسحاب الشمس في آخر يوم لها بطريقة موجعة لا ضوء فيها ولا حرارة ولا أمل في الفجر

شعرت ببرودته تجري في عروقي كأن الموت يتعلم كيف يسكن إنسانا وهو حي

وللمرة الأولى رأيت القلب بلا خفق بلا دفاع بلا صراع

كان جسدا صغيرا من الألم منطفئا صامتا وكأنه يستريح بعد حياة 


طويلة من الطعنات

حملته على كتفي لا لأنني قوي بل لأنني كنت مجبرا على أن أسير به إلى نهايته كان ثقيلا ليس لأنه قلب بل لأنه يحمل عمرا كاملا من الحب الذي لم يقدر ومن الحلم الذي لم يكتمل ومن الوعد الذي لم يحفظ ومن الصبر الذي كان يستغل كل مرة

مشيت به طريقا يعرف الوجع جيدا


طريقا مررت عليه كثيرا وأنا حي لكنني اكتشفت الآن أنني كنت أمشيه ميتا من الداخل

لم أجد قبرا يناسبه

كل الأماكن كانت ضيقة صغيرة لا تكفي لدمعة واحدة من دموعه

فقررت أن أدفنه في صدري في المكان الذي عاش فيه وفي المكان نفسه الذي أنهكه حتى الموت


حفرت له قبرا بيدي المكسورتين وسكبت عليه ترابا من الكبرياء التي لم يجرؤ أحد على دفنها معي

وضعت فوقه حجرا من الصمت لأن الصمت وحده يليق بنهاية كهذه

ثم وقفت لحظة حدقت في اللاشيء وأدركت أن دفن القلب هو أخطر خطوة في حياة الإنسان لكن أحيانا لا مفر منها


ومنذ ذلك اليوم تغير كل شيء

لم أعد أبحث عن أحد

لم أعد أركض خلف كلمة أو وعد أو حضور ناقص

لم أعد أنتظر أن يتصدق علي أحد بفتات اهتمام

صرت أكثر صمتا لكن صمتي مليء بالحكمة


أكثر وحدة لكن وحدتي لم تعد تخيفني

أكثر قوة لكن قوتي ليست صراخا بل هدوءا يشبه آخر مرحلة من النضج

الناس يقولون إن القلب إذا مات يموت الإنسان معه

لكنهم لا يعرفون الحقيقة

الإنسان حين يموت قلبه يولد عقله من جديد

ومن لا يفهم هذا لم يمر على مقابر روحه كما مررت أنا


ورغم كل الوجع لست نادما

لقد دفنت شيئا كان يستحق الدفن

دفنت قلبا أعطى لمن لا يستحق وظل يركض خلف من لم يلتفت إليه يوما وبقي يصدق وجوها كانت تضحك له وهي تمسك بخنجر خلف ظهرها

أما الآن


فأنا أسير بلا قلب لكنني أسير ثابتا قويا لا ألتفت

أعرف أن العودة ليست خيارا وأن النبضة التي دفنتها لن تعود وأن الوجع مهما كان قاسيا فهو يربي فينا إنسانا جديدا

وهكذا


يوم حملت قلبي على كتفي ورحل

ولدت شخصا آخر

شخصا لا يخدع لا يستغل لا يستنزف

ش

خصا يعرف قيمته

ويعرف أن بعض الدفن هو أعلى درجات الحياة

تعليقات