القرار الإسرائيلي الأخير بتحويل المناطق الحدودية مع مصر إلى منطقة عسكرية مغلقة، وتعديل تعليمات إطلاق النار، لا يمكن اعتباره مجرد خطوة أمنية داخلية، بل هو مؤشر واضح على تحول في المزاج السياسي والعقيدة الأمنية الإسرائيلية، بما يعكس حالة من الارتباك والتخبط داخل دوائر صنع القرار في تل أبيب، ومحاولة للهروب من الأزمات الداخلية عبر افتعال توتر خارجي مع القاهرة.
منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد، ظلت الحدود المصرية – الإسرائيلية واحدة من أكثر الجبهات استقرارًا في الشرق الأوسط، بفضل التنسيق الأمني المنضبط والالتزام المصري الصارم باتفاقيات السلام. إلا أن الخطوة الأخيرة من جانب تل أبيب أعادت للأذهان ذكريات الصراع القديم ومحاولات خلط الأوراق في لحظات الأزمات السياسية والعسكرية.
ومن الواضح أن إسرائيل لم تُقدم على هذا القرار في فراغ سياسي، بل بعد أن شهدت خلال السنوات الأخيرة نهضة مصرية شاملة أعادت القاهرة إلى مركز الثقل الإقليمي والدولي. فمصر اليوم أصبحت تمتلك نفوذًا سياسيًا متزايدًا في الملفات العربية والإفريقية والدولية، ونجحت في فرض حضورها الدبلوماسي في أوقات غابت فيها أصوات الاستقرار في المنطقة. داخليًا، أعادت الدولة المصرية بناء بنيتها التحتية في كل القطاعات، وحققت معدلات تنمية غير مسبوقة، بالتوازي مع تعاظم القوة العسكرية للجيش المصري الذي أصبح من أقوى جيوش المنطقة تجهيزًا وتدريبًا وتسليحًا. هذه المعطيات مجتمعة جعلت إسرائيل تشعر بأن ميزان القوة في المنطقة لم يعد كما كان، وأن تفوقها العسكري والسياسي لم يعد مطلقًا كما كانت تعتقد، وهو ما يفسر نزعتها المتوترة وسلوكها الميال إلى التصعيد في محاولة لإعادة تثبيت موقعها الاستراتيجي.
تسعى إسرائيل من خلال هذا التصعيد الحدودي إلى نقل المعركة من غزة إلى محيطها الإقليمي، في إطار سياسة الهروب إلى الأمام التي تتبعها حكومة نتنياهو كلما اشتدت عليها الأزمات. غير أن القاهرة، بخبرتها التاريخية وقراءتها الواعية لمعادلات المنطقة، تدرك أن الانجرار إلى أي مواجهة مباشرة هو ما تسعى إليه تل أبيب تحديدًا، لإعادة خلط الأوراق وجرّ المنطقة إلى دوامة جديدة من الفوضى.
الموقف المصري في هذه الأزمة يتسم بـ الهدوء الحذر والصلابة الاستراتيجية؛ فمصر لا ترد بانفعال، لكنها في الوقت ذاته لا تسمح بتجاوزات تمس أمنها القومي أو تهدد استقرار حدودها الشرقية. الرسالة المصرية واضحة: السيادة خط أحمر، والتنسيق الأمني لا يعني التهاون أو التغاضي عن التحركات الاستفزازية.
إن المتابع لتاريخ العلاقات المصرية – الإسرائيلية يدرك أن القاهرة لطالما كانت عنصر التوازن والاستقرار في منطقة تعج بالصراعات، وأنها تمتلك من أدوات القوة السياسية والعسكرية ما يجعلها قادرة على حماية مصالحها دون الحاجة إلى التصعيد. فمصر ليست دولة تبحث عن مواجهة، لكنها أيضًا ليست دولة يمكن اختبار صبرها أو تجاوز حدودها.
التحرك الإسرائيلي الأخير يعكس، في جوهره، أزمة هوية سياسية داخل إسرائيل، ومحاولة لخلق عدو خارجي يعيد توجيه الأنظار بعيدًا عن الإخفاقات المتكررة في الداخل وفي جبهات القتال. لكن هذه اللعبة، التي قد تنجح مع بعض القوى الإقليمية، لا يمكن أن تمر على القاهرة، صاحبة الخبرة الطويلة في قراءة النوايا وفهم أبعاد التصعيد.
في النهاية، قد تتغير موازين القوى وتتشابك التحالفات، لكن الثابت الوحيد أن مصر تظل الحائط الصلب الذي لا يُخترق. فالقاهرة لا ترفع صوتها عبثًا، ولا تُشهر أوراقها إلا عندما تكون الرسالة الأخيرة. والتاريخ القريب والبعيد يشهد بأن من يحاول اختبار صبرها، يكتشف في النهاية أن هدوءها ليس ضعفًا، بل هو عنوان لقوة تعرف متى تصبر ومتى تحسم.

تعليقات
إرسال تعليق