بقلم : محمد حسني محمود
يظنّ الناس أن الجنون غياب العقل، هروب من المنطق، وانسلاخ عن الواقع.
لكن الحقيقة، في عمقها الهادئ والمؤلم، تقول عكس ذلك تمامًا.
فالجنون أحيانًا ليس فقدانًا للعقل، بل فائض وعيٍ لا يحتمله صاحبه.
حين يرى الإنسان أكثر مما يجب، ويفهم أكثر مما يُطاق، ويتذوّق مرارة التفاصيل التي يمرّ بها الآخرون دون انتباه، يبدأ التوازن في الانهيار.
الوعي الزائد كالنور القويّ... يبهرك بدل أن ينير لك الطريق.فيصير الجنون، لا ضعفًا، بل آلية دفاعٍ للروح، تحاول أن تحمي نفسها من الاحتراق الكامل.
المجنون لا يعيش خارج العالم، بل داخله... بزيادة.
يرى التناقضات التي نتغافل عنها، يسمع صمت الأشياء، ويفهم ما لا يُقال.
وحين يعجز عن حمل كل هذا الإدراك، يتشظّى بين عقله وقلبه، بين ما يرى وما يستطيع احتماله.
نحن في الحقيقة نخاف الوعي أكثر مما نخاف الجنون..لأن الوعي يُجبرك على مواجهة نفسك، على النظر في المرآة حتى حين يكسوها الغبار.
ولذلك نهرب — نُضحك أنفسنا، نُخدّر عقولنا بالاعتياد، نُطفئ بداخلنا شعلة السؤال حتى لا نجنّ.
لكن من قال إن الجنون شرّ مطلق؟
ربما كان الجنون هو احتجاج الوعي على ما لا يُطاق.
الجنون، في جوهره، رسالة من الروح تقول: كفى... كفى وعياً، كفى شعوراً، كفى محاولات للفهم.
هو صيحة الإنسان الذي لم يعد قادراً على التظاهر بالقوة أو التماسك.
ومع ذلك، الحل ليس في الهروب من وعينا، بل في ترويضه.
أن نتعلّم كيف نعيش معه، لا ضده.
أن نعامل وعينا كضوءٍ لا بدّ أن يُخفَّف، لا أن يُطفأ.
فالمرايا التي تكشف كل شيء تُرهقنا، لكن القليل من الضباب يجعل الصورة ممكنة الاحتمال...من ينجو ليس من يتخلّى عن عقله، بل من يوازن بين الوعي والجنون، بين الإدراك والراحة.. فالجنون ليس نهاية الطريق، بل أحيانًا بدايته…
بداية الفهم الحقيقي، حين تدرك أن العقل وحده لا يكفي، وأن الوعي، مهما ازداد، يحتاج قلبًا يحنو عليه.

تعليقات
إرسال تعليق