الكاتب الصحفي والناقد الفني عمر ماهر
على ضفاف النيل في مدينة المنصورة، حيث تلتقي ملامح التاريخ بملامح الحاضر، تقف كلية الحقوق كقلعة من قلاع المعرفة، يملؤها عبق الأساتذة الكبار وصدى أصوات الأجيال التي عبرت منها إلى ساحات القضاء والمحاماة والتشريع. وفي قلب هذا المكان العريق، يتجلى حضور رجل صار اسمه مرتبطًا بالفكر القانوني الحديث وبروح الإدارة الواعية وبالفلسفة التي ترى أن التعليم ليس مهنة وإنما رسالة. إنه أ.د أحمد لبيب، أستاذ القانون التجاري، رئيس قسمه، ومدير وحدة ضمان الجودة، الرجل الذي استطاع أن يحوّل مسيرته الأكاديمية إلى رواية إنسانية مكتملة الأركان، تتشابك فيها قاعات المحاضرات مع مكاتب الإدارة، وتتقاطع فيها الفلسفة مع الواقع، ليصنع من حياته قصة أوسع من مجرد سيرة ذاتية.
كان المشهد يبدأ من مدرج واسع مكتظ بالطلاب، حيث ينساب الضوء من النوافذ الكبيرة ليلامس دفاترهم وأقلامهم، وفي لحظة دخول الدكتور أحمد لبيب، يتبدل كل شيء. الصمت يفرض نفسه بلا أمر، العيون كلها تتجه نحوه، والأنفاس تتباطأ كأنها تستعد لاستقبال حكاية جديدة. يجلس في مقعده أو يقف أمامهم، فيبتسم تلك الابتسامة التي تجمع بين الهيبة والطمأنينة، ثم يبدأ في الحديث، وكأنه لا يشرح مادة جامدة وإنما يحكي رواية عن الحياة نفسها. في يديه، يتحول القانون التجاري من نصوص جامدة إلى قصة نابضة، يربطها بالأسواق والمعاملات والشركات والعقود، فيجعل الطالب يعيش داخل النص، لا يقرأه فقط. كانت محاضراته تشبه رحلة عبر الزمن، من أصول التجارة القديمة حتى تحديات الاقتصاد الرقمي، رحلة تجعل الطالب يدرك أن القانون ليس بعيدًا عن حياته اليومية، بل هو حاضر في كل ورقة توقّع وكل صفقة تُبرم وكل نزاع يُحل أمام القضاء.
ومن المدرج إلى مكتبه كرئيس لقسم القانون التجاري، يتغير المشهد لكنه لا يفقد جوهره. فالقسم في نظره لم يكن مجرد إدارة أو ملفات على مكتب، بل بيت كبير للعقول، يضم أساتذة شيوخًا بخبرتهم الطويلة وشبابًا باندفاعهم وحماستهم. وكان أحمد لبيب يعرف كيف يمسك بخيوط هذا النسيج المتنوع، فيوازن بين التراث والتجديد، بين الجدية والانفتاح، بين السلطة والمسؤولية. لم يكن رئيسًا يأمر وينهى، بل كان قائدًا يستمع ويستوعب ويقرر، فتحت قيادته صار القسم ورشة فكرية مستمرة، تتقاطع فيها الأبحاث مع المناقشات، وتتحول فيها القضايا النظرية إلى مشروعات بحثية عملية. لقد فهم أن القيادة الأكاديمية ليست مقعدًا بل عبء ومسؤولية، وأن الأستاذ حين يقود قسمًا عليه أن يكون قدوة قبل أن يكون رئيسًا.
ثم يخرج من مكتبه إلى مساحة أوسع حين يرتدي عباءة مدير وحدة ضمان الجودة بالكلية. وهنا يتجلى الوجه الفلسفي العميق في شخصيته، فهو لا يرى الجودة تقارير جامدة أو جداول أرقام، بل روحًا خفية تسري في أركان الكلية، تبدأ من طريقة جلوس الطالب على مقعده إلى أسلوب شرح الأستاذ داخل قاعته. في رؤيته، الجودة ليست ورقًا يُرفع ولا ختمًا يُطبع، بل ثقافة يومية تُمارس وتترسخ، تبدأ بالصدق والالتزام وتنتهي بالتميز. وقد استطاع أن يحول الوحدة إلى قلب نابض يراقب ويطور ويقيس، لا بهدف العقاب أو الشكلية، بل بهدف أن تكون كلية الحقوق بجامعة المنصورة في مصاف الكليات العالمية التي تقدم تعليمًا لا يقل عن أرقى الجامعات. كان يؤمن أن الطالب يستحق الأفضل دائمًا، وأن الجامعة التي لا تتجدد تموت، وأن الجودة الحقيقية لا تكتب بل تُعاش.
لكن وراء هذه المناصب والألقاب، كان هناك وجه آخر أكثر إنسانية. وجه الأستاذ الذي يعرف طلابه بالاسم، الذي يستمع لمشاكلهم الشخصية كما يستمع لأسئلتهم القانونية، الذي يبتسم حين يرى بريق الفهم في أعينهم، ويصبر حين يراهم يتعثرون. كان يجلس أحيانًا على ضفاف النيل، بعد يوم طويل من التدريس والإدارة، فيتأمل الأمواج ويتساءل بصوت داخلي: هل فعلت ما يكفي؟ هل تركت الأثر الذي أتمناه؟ ثم يعود فيطمئن نفسه بأن الأثر الحقيقي لا يُقاس في لحظته، بل يظهر بعد سنوات، حين يقف أحد طلابه قاضيًا يرفع ميزان العدل، أو محاميًا يدافع عن الحق، أو باحثًا يكمل المسيرة.
وهكذا، حين نروي قصة أحمد لبيب، فإننا لا نروي سيرة أستاذ جامعي فقط، ولا نحكي عن مسؤول إداري بارز، بل نحكي عن رجل جعل من حياته رواية متكاملة، أبطالها طلابه وزملاؤه، وفصولها مدرجات الجامعة ومكاتب الإدارة وقاعات الجودة وضفاف النيل. رواية تحمل في طياتها رسالة عميقة: أن القانون يمكن أن يتحول إلى فلسفة وجود، وأن الجودة يمكن أن تصبح أسلوب حياة، وأن الأستاذ يمكن أن يكون قائدًا وإنسانًا وفيلسوفًا في الوقت نفسه. وفي النهاية، سيبقى اسمه محفورًا في ذاكرة الجامعة، ليس كصفحة في سجل رسمي، بل كقصة حية تُروى للأجيال القادمة، قصة رجل آمن أن العلم رسالة وأن التعليم حين يمتزج بالفلسفة يصنع الخلود

تعليقات
إرسال تعليق