هويده عبد العزيز
************
كانت رائحة القهوة تتصاعد في المقهى شبه الخالي من زواره، بينما الزجاج الواسع يفتح نافذة على البحر جانبهما، في الأفق القريب كانت النوارس تدور في حلقات، كأنها ترسم دائرة مغلقة بينهما، بينما يعلو صوت فيروز شيئًا فشيئًا:
"بيتي أنا بيتك"… جملة تسللت مثل شعاع رقيق من عتاب شفيف، فأيقظت كل ما بالصدر من وجع وحنين
جلسا متقابلين، يفصل بينهما خط ماء خفي، كمسافة بين جزيرتين تعرفان أنهما كانتا يومًا متصلتين.
هو، الموجة التائهة والصياد في آن، حاول أن يلتقط من عينيها أسماك المعنى، أن يمد بينهما حبلًا لم ينقطع تمامًا.
لكن بريق الموجة الأولى كان قد خفت، واللهفة القديمة ارتدت إلى أعماق بعيدة.
بصوت مفعم بالشجن، سألها:
– أشعر أنكِ صرت مختلفة.
ابتسمت ابتسامة باهتة، كموجة تتكسر على الشاطئ برفق:
– لأني أصمت تعتقد أني تغيرت.
تسللت دمعة من عينيها، مثل قطرة هاربة من صدر غيمة. مسحها بمنديل، وأومأ لها أن تتابع.
- صدقني، أريد أن أتكلم، أن أفيض كما يفيض النيل في مواسمه. لكن الحياة مواسم…
لسنا نصمت حكمة ولا نتكلم ضرورة، نحن كائنات ناطقة، ننفجر إن طال صمتنا، ونذبل إن حُرمنا من شاطئ يسمع ارتطام أمواجنا.
رد بمكر صياد:
– وفي أي موسم أنتِ الآن؟
تعثرت عيناها ببريق عينه، ثم همست:
– فصل أسميته… الهذيان.
ابتسم:
– هذيان؟ يا إلهي كم أعشق سذاجتك!
– لست ساذجة…
استدرك الموقف، بنبض ماكر، حاول التخفيف من وقع سخريته:
– لكنني هنا… لأسمعكِ.
هزت رأسها بالنفي:
– نحن لا نبحث عن أذن تسمع، بل عن روح تصغي… روح
لا تملّ التكرار، ولا تضيق بفوضانا. شهية الكلام يا سيدي، لا تتفتح إلا مع من يشاركك موائدها بصدق…
من لا يخاف امتلاءك، ولا يهرب من ارتباكك.
ارتفعت نبرتها قليلًا، كموجة اشتدّ بها المد:
– الكلمات لا تولد في الفراغ، بل في حضرة دفء حقيقي… بعض الأشخاص لمجرد وجودهم، يجعلونك تريد البوح، حتى وإن كنت تنوي الصمت. وآخرون بصلف جامد، يطفئون فيك الرغبة في الحديث، حتى وإن كان قلبك مثقلًا بالكلام.
ربت على يدها:
– الآن فهمت…
لماذا يهاجر الكلام من الشفاه إلى الورق؟
ابتسمت بحرقة و مرارة:
– لأن الكلام، مثل الطيور، لا يهاجر بحثًا عن طعام،
بل عن دفء يحتضنه.
ارتشفت آخر رشفة، ثم غادرت.
لم تلتفت، لكن البحر ارتجف كأن موجَه من أمواجه غادرته، يترجها أن تعاود.
ظل الكرسي وحيدًا، وفوقه ظلّ يشبه بقايا قلب، ينتظر عودة لا يعرف إن كانت قدرًا… أم وهمًا.
#هويده_عبد_العزيز

تعليقات
إرسال تعليق