بقلم :الكاتب الصحفي عمر ماهر
من الظواهر المثيرة للانتباه في المشهد الجنائي أنّه على الرغم من تعدّد الجرائم واختلاف ظروفها وملابساتها، فإن الدفاع في كثير من الأحيان ينجح في الالتفاف حول المسؤولية الجنائية من خلال التركيز على مبررين محددين: المرض النفسي أو تعاطي المخدرات. وقد تحوّل هذان السببان مع مرور الوقت إلى ما يشبه "المخرج القانوني" الذي يلجأ إليه المتهم أو محاموه متى ضاقت بهم السبل، حتى ولو كان الفعل المادي للجريمة ثابتاً بشكل قاطع. والسؤال الذي يفرض نفسه: لماذا ينحصر الأمر في هذين السببين تحديداً، وهل يُعقل أن تصبح العدالة رهينة لتقرير طبي أو لفحص معملي؟
أولاً: خطورة التعلق بالمرض النفسي
المبدأ القانوني المستقر يقوم على أن الإنسان لا يُسأل جنائياً ما لم يكن مدركاً لما يفعل، حراً في إرادته. لكن إشكالية "المرض النفسي" أنّه ليس دائماً واضح المعالم، بل تتعدد درجاته وأنواعه، وقد تتراوح من اضطراب طفيف في الشخصية إلى جنون كامل يفقد صاحبه الاتصال بالواقع. هذه المساحة الرمادية تجعل من السهل تضخيم حالة بسيطة لتبدو أمام المحكمة مانعة من المسؤولية. وقد ساهم في ذلك أحياناً التوسع في تقارير الطب النفسي، حيث تُكتب بلغة علمية فضفاضة تُفسح المجال للتأويل أكثر مما تقدم من حقائق قاطعة.
ثانياً: معضلة تعاطي المخدرات
أما التعاطي، فهو الوجه الآخر لعملة الإفلات من العقاب. إذ يبرر المتهم أنّه كان مسلوب الإرادة بفعل السموم التي تسيطر على الجسد والعقل. غير أنّ المنطق يقتضي التساؤل: إذا كان قد اختار التعاطي بإرادته الحرة، ألا يكون قد اختار مسبقاً فقدان السيطرة؟ أي أنه في الحقيقة ارتكب فعلين: تعاطى المخدر بوعي، ثم ارتكب الجريمة تحت أثره. وهنا يصبح القول بانعدام مسؤوليته ضرباً من التناقض.
ثالثاً: لماذا لا توجد ثغرات أخرى بنفس القوة؟
الحقيقة أنّ معظم الظروف الأخرى، كالفقر، أو سوء التربية، أو حتى وجود سوابق اعتداء على المتهم، لا تنسف جوهر المسؤولية الجنائية، لأنها لا تمس ركني "الإدراك والإرادة". ولهذا لم تكتسب نفس الفعالية أمام القضاء. فالمرض النفسي والمخدرات وحدهما يضربان في الأساس الذي يقوم عليه التجريم والعقاب.
رابعاً: قضية افتراضية كمثال توضيحي
لنفترض – على سبيل المثال الافتراضي – أنّ رجلاً أطلق النار على جاره في مشاجرة بسبب موقف سيارة. التحقيق أثبت أن الجاني حمل السلاح، جهزه، صوبه وأطلقه، أي أنه ارتكب الفعل عن وعي وتخطيط. ومع ذلك، دفع محاميه بأن موكله يعاني من اضطراب ثنائي القطب، وأنه أثناء نوبة الهوس كان اندفاعياً غير قادر على ضبط سلوكه. التقرير النفسي – المليء بالمصطلحات – أيد الاحتمال، فأُثير الشك لدى المحكمة حول مدى سيطرة المتهم على إرادته لحظة ارتكاب الجريمة. هنا يتحول فعل مدروس إلى "سلوك غير متحكم فيه" وتصبح القضية بين الإفلات من العقوبة أو تخفيفها.
هذا المثال الافتراضي يوضح كيف أن مجرد إدخال عنصر نفسي في القضية قد يُربك ميزان العدالة. فبينما يبدو السلوك في ظاهره مقصوداً ومخططاً، ينقلب في قاعة المحكمة إلى فعل اندفاعي غير مسؤول.
خامساً: ثغرة لم ينتبه إليها الكثيرون
الأمر الذي لا يلتفت إليه كثيرون أنّ الدفاع في هذه الحالات لا يقتصر على التشكيك في المسؤولية، بل يضرب في صميم مبدأ "اليقين القضائي". فالمحكمة، لكي تُدين، تحتاج إلى قناعة راسخة لا يداخلها شك. وما يفعله المحامي هو زرع بذرة الشك في ذهن القاضي: ربما لم يكن المتهم مسؤولاً تماماً، ربما كان تحت تأثير نوبة أو مخدر. وهذه البذرة، وإن كانت صغيرة، تكفي قانوناً لترجيح البراءة، لأن الشك دائماً يفسر لمصلحة المتهم. وهكذا تتحول الحيلة من نقاش حول صحة الدفاع إلى مجرد وسيلة لإدخال الشك، وهو ما لا ينتبه إليه الرأي العام.
سادساً: آثار اجتماعية خفية
الأخطر أنّ هذه الممارسات لا تقتصر على قاعات المحاكم، بل تُسهم في خلق ثقافة اجتماعية منحرفة، مفادها أنّ بإمكان أي شخص أن يختبئ خلف ذريعة المرض النفسي أو التعاطي ليتهرب من تبعات أفعاله. وهذا يُضعف ثقة المجتمع في العدالة، ويشجع على مزيد من الجرائم تحت غطاء من "الاحتمالية".
سابعاً: الحلول الممكنة
إن مواجهة هذه الإشكالية لا تكون عبر إلغاء الاعتداد بالمرض النفسي أو المخدرات بشكل كامل، لأن ذلك سيظلم فئات حقيقية غير مسؤولة عن أفعالها، وإنما يكون عبر:
1. تشديد الرقابة على تقارير الطب النفسي، ووضعها تحت مراجعة لجان متعددة الاختصاصات.
2. التمييز بين التعاطي الاختياري والإجباري، وعدم منح الأول أي أثر معفي من المسؤولية.
3. اعتماد معايير موضوعية صارمة للفصل في قضايا "فقد الإرادة"، بحيث لا يُترك الأمر للتقدير الشخصي وحده.
4. اعتبار أن اختيار التعاطي في ذاته يشكل سلوكاً إرادياً يقطع الطريق على أي دفع لاحق بفقدان الوعي.
ثامناً: البعد الأخلاقي في هذه الإشكالية
ما لا يلتفت إليه الكثير من الباحثين أنّ القانون لا يعمل في فراغ، بل يتأثر بالقيم الأخلاقية السائدة في المجتمع. فإذا استسهل المجتمع فكرة الاحتماء بالمرض النفسي أو المخدرات، فإن ذلك يضغط على القضاء في اتجاه التساهل، والعكس صحيح. ومن هنا فإن المعركة ليست قانونية بحتة، بل ثقافية أيضاً، تستلزم توعية مجتمعية بخطورة التوسع في هذه الأعذار.
إن المرض النفسي وتعاطي المخدرات ليسا مجرد أسباب قانونية للإفلات من العقاب، بل تحولا في كثير من الحالات إلى ثغرتين خطيرتين تهددان ثقة الناس في العدالة. وبينما يراهما البعض ضمانة لحقوق المتهم، يراهما آخرون وسيلة للظلم والتلاعب. ويبقى التحدي الحقيقي في تحقيق التوازن: كيف نحمي الأبرياء حقاً، ونمنع في الوقت نفسه أن يتحول القانون إلى حصن يلوذ به المجرم المتعمد.

تعليقات
إرسال تعليق