القائمة الرئيسية

الصفحات

حين يتجاوز الفن الخطاب… بين قدوة الإنسانية وفقاعة البوز

 ✨ هنا نابل بقلم المعز غني


 




غزة… تلك المدينة الصغيرة بمساحتها ، الكبيرة بصمودها ، الواقفة على خط النار منذ عقود ، تُلخّص في ملامحها معنى الكرامة والحرية والبطولة. 

غزة التي تحاصرها الأسلاك من كل الجهات ، ويقصفها الموت صباحًا ومساءً ، لكنها تأبى إلا أن تزرع في كل ركن منها حياةً جديدة ، وفي كل بيت جريح أغنيةً للأمل .

هي مدينة تتنفس الإرادة رغم الدمار ، وتُعلّم العالم أن الأرض مهما ضاقت ، فإن القلوب إذا إمتلأت بالإيمان والحق لا تعرف الهزيمة. غزة ليست مجرد جغرافيا على خريطة فلسطين ، بل رمز مقاومة إنسانية ، تختصر صراعًا أزليًا بين الطغيان والحرية ، بين من يريد أن يطمس الهوية ومن يصونها بالدم والدموع.


ومنذ نكبة 1948، كانت غزة شاهدًا على أفظع الجرائم الإنسانية، إذ تحوّلت إلى ملاذ لعشرات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين الذين إقتُلعت جذورهم من مدنهم وقراهم. 

ورغم المخيمات الضيقة والفقر والحصار ، صارت غزة قلعةً للثبات ، ومختبرًا لإرادة لا تُقهر.

 فكل جيل فيها ورث راية الصمود من الذي سبقه ، ليعلن للعالم أن فلسطين لا تُنسى، وأن الحق لا يموت ما دام وراءه مطالب.


ومن هنا من مدينة نابل عاصمة الوطن القبلي ، تصبح مدينة غزة أكثر من مكان … إنها قضية ، بل هي قضيتنا الأولى ، جرحنا الذي يذكّرنا بأن الحرية لا تُوهب بل تُنتزع ، وأن الكرامة لا تُشترى بل تُصان بالتضحيات .


 عاشت الصداقة التونسية الفلسطينية ، وعاشت الأخوة الفلسطينية التونسية ، ما دام في القلب نبض وفي الروح يقين.

 في زمن تتشابه فيه الأصوات وتضيع فيه الحقائق ، يبقى صوت غزة كجرس في الذاكرة يذكّرنا أن الكرامة لا تُشترى ، وأن الحرية لا تُوهب بل تُنتزع. 

نحن في تونس نكتب عنكم يا أهل الصمود ، وضمن قافلة الصمود المتجهة إلى مدينة غزة الأبية، أقول أنتم من تكتبون بدمائكم أبلغ الصفحات.


فلتكن كلمتنا جسرًا ، وموقفنا سندًا ، ووعينا درعًا…

ولنجعل من الفن رسالة لا تنطفئ ، ومن الأخوة وعدًا لا يخون ، ومن التضامن فعلًا يتجاوز الحدود .


💭 فقل لي يا صديقي القارئ : ألسنا جميعًا مدعوّين لنكون جزءًا من هذا الصمود ، كلٌّ في موقعة ، كلٌّ بطريقته؟

شارك فكرتك ، فربّ كلمة منك اليوم قد تُصبح غدًا شعلةً في قلب 


في لحظة تاريخية إستثنائية ، وقف الفنانان التونسيان محمد مراد ومحمد أمين الحمزاوي ليبرهنا أن الفن ليس مجرد كلمات تُقال ولا ألحان تُعزف ، بل هو فعل يتجسد في الميدان ، وخطوة تُترجم القيم إلى واقع حي.

 حين أعتلوا سفينة أسطول الصمود المغاربية ، لم يحملوا معهم نصوصًا أو أدوارًا ، بل حملوا إنسانيتهم كاملة ، ليقولوا للعالم : الفن رسالة ضمير ، وليس ديكورًا على مسرح الحياة.


هذا الموقف يفتح الباب أمام سؤال جوهري : ما معنى أن تكون فنانًا؟

هل هو البحث عن الشهرة العابرة ، وضوء الكاميرا ، والتصفيق اللحظي؟ أم هو حمل همّ الناس ، والانتصار لقضاياهم ، وتجسيد القيم في لحظة صدق تتجاوز المنصات الافتراضية إلى ساحات الفعل؟


الفنانون الذين صعدوا إلى السفينة جسّدوا صورة القدوة ، حيث يصبح الفنان بوصلةً للشباب ، ومرآةً للشعب ، وضميرًا يذكّر بأن الإنسانية أوسع من حدود الوطن ، وأن الكلمة النبيلة لا تكفي إن لم تُترجم إلى تضحية وموقف .


لكن ، وعلى الجهة الأخرى ، ثمة فنانون إنحصروا في دائرة ضيقة ، لا يبحثون إلا عن “البوز”، كلمات عابرة ، مقاطع مثيرة ، أو صور على إنستغرام. 

يحاولون إستدراج الإنتباه بلحظة جدل ، ثم يذوب أثرهم كما يذوب الملح في الماء. 

هؤلاء قد يصنعون ضجة يومًا أو أسبوعًا ، لكنهم لا يتركون أثرًا في الذاكرة ، ولا يرسخون قيمة في الضمير.


الفرق بين الجهتين كالفرق بين نار تُضيء الطريق ، وشرارة عابرة تخبو قبل أن تُرى .

الأولى قد تُلهم جيلًا كاملاً ليؤمن بأن الفن التزام ومسؤولية، والثانية لا تعدو أن تكون وهجًا سريعًا يتلاشى مع أول ريح.


إن الشعب التونسي – بل والإنسانية جمعاء – بحاجة إلى فنّ صادق ، فنّ يقود نحو الحرية والكرامة والعدالة ، لا فنّ يبحث عن عدد متابعين أو ضوضاء عابرة. 

في النهاية ، سيُحفظ في ذاكرة التاريخ من إختار أن يكون صوتًا للحق ، بينما يُنسى من إختار أن يكون مجرد ضجيج بلا معنى.


فالفن إما أن يكون ضميرًا للإنسانية … أو مجرد صدى يتلاشى في العدم.


 وأنت أيها القارئ العزيز ، ما رؤيتك لدور الفنان في قضايا الأمة؟ هل تراه صوت الضمير ، أم مجرد مؤدٍّ يبحث عن الأضواء؟

شاركنا فكرك ، فالكلمة حين تصدر من قلب صادق قد تُشعل نورًا في دروب الآخرين …


عاشت الصداقة التونسية الفلسطينية، وعاشت الأخوة الفلسطينية التونسية، ما دام في القلب نبض وفي الروح يقين.


بقلم المعز غني عاشق الترحال وروح الاكتشاف


---

تعليقات