حماد مسلم يكتب عن
تكريمًا لجهد الفلاح عبر آلاف السنين، ودوره الكبير المتعاظم في الاقتصاد المصري، وعرفانا بفضله في توفير المستلزمات الحياتية اليومية من السلع الغذائية لربوع الوطن.
تحرص الدولة على دعم الفلاح المصري بكل السبل المتاحة، إيمانًا منها بضرورة إرساء دعائم التنمية الزراعية، التي تظل ركنًا رئيسًا من أركان الاقتصاد الوطني؛ حيث تسارعت الخطى والجهود لتسخير كل الإمكانات من أجل تخفيف الأعباء عن المزارعين وتقديم القروض الميسرة لهم، والتوسع في المشروعات والأنشطة الزراعية، وتطوير وتحديث منظومة الري، وتطويع التكنولوجيا الحديثة في القطاع الزراعي، ورقمنة الخدمات المقدمة للفلاحين، الأمر الذي انعكس بشكل إيجابي على توفير حياة كريمة للفلاح، وتعزيز الإنتاجية الزراعية، ورفع معدلات الأمن الغذائي والإستراتيجي للدولة، وزيادة الصادرات المصرية من المحاصيل المختلفة.
دور الفلاح في الاقتصاد المصري،
عدد المشتغلين بنشاط الزراعة يبلغ نحو 5.2 مليون مشتغل، بما يمثل 19.2% من إجمالي المشتغلين؛ حيث تعد أكبر نسبة مشاركة للمشتغلين في الأنشطة الاقتصادية خلال الربع الثاني من 2021، فيما وصلت نسبة مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي لـ 14.8% عام 2019/2020، حيث بلغت 669.8 مليار جنيه مقارنة بـ 278.5 مليار جنيه عام 2014/2015، وذلك بالأسعار الجارية
وأظهر التقرير الدور الذي يؤديه الفلاح ومدى مساهمته في توفير مخزون إستراتيجي من السلع، مشيرًا إلى أن مدة تغطية القمح تبلغ 6 أشهر، والزيت والمكرونة 5 أشهر، والأرز 4.5 شهر، والسكر 6.4 شهر، والدواجن 5.8 شهر، واللحوم الحية 20 شهرًا، والفول 2.8 شهر.
وأشار التقرير إلى أن مصر استطاعت تحقيق الاكتفاء الذاتي من 9 محاصيل زراعية خلال عام 2020، أهمها الخضر بإنتاج 25.5 مليون طن، والفاكهة بإنتاج 10.7 مليون طن، والأرز بإنتاج 6.5 مليون طن، والذرة البيضاء بإنتاج 4.5 مليون طن، والبصل بإنتاج 4 مليون طن.
وعلى صعيد الصادرات الزراعية، أشار التقرير إلى وصول حجمها إلى 4.6 مليون طن خلال الفترة من يناير حتى نهاية أغسطس 2021، في حين أن مصر ما زالت متربعة على قائمة الدول المصدرة لمحصول البرتقال للعام الثالث على التوالي، فيما احتلت المراكز الأولى في تصدير الموالح والفراولة المجمدة وإنتاج الزيتون.
هذا ويوجد أكثر من 350 حاصلة زراعية صُدرت لأكثر من 150 دولة من دول العالم، كما يوجد أكثر من 38 سوقًا تم فتحها آخر ثلاث سنوات منها 11 سوقاً تصديرياً لعدد 7 محاصيل تصديرية خلال عام 2020.
وكشف التقرير عن أن ضخ استثمارات عامة في قطاع الزراعة يوفر العديد من فرص العمل، مشيراً إلى زيادة حجم الاستثمارات العامة الموجهة للقطاع بأكثر من 5 أضعاف، حيث وصلت إلى 28.7 مليار جنيه عام 2019/2020 مقارنة بـ 5.2 مليار جنيه عام 2014/2015.
وأوضح التقرير أن المشروعات الزراعية توفر الملايين من فرص العمل، أبرزها مشروع المليون ونصف مليون فدان، الذي وفر 3 ملايين فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، كما وفر مشروع إحياء البتلو نحو 71 ألف فرصة عمل مباشرة، ومن المقرر أن يوفر مشروع الدلتا الجديدة 5 ملايين فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة بحلول عام 2025.
وبالإضافة إلى ما سبق، رصد التقرير جهود الدولة لتوفير التمويل اللازم للفلاح المصري، لافتًا إلى خفض أعباء الحصول على تمويل ميسر للمحاصيل الزراعية، حيث تم رفع فئات القروض التي تُقدم للمزارعين من البنك الزراعي المصري لتمويل إنتاج المحاصيل بما يتناسب مع تكلفة إنتاجها.
وكشف التقرير عن تمويل المحاصيل الإستراتيجية بأكثر من 6 مليارات جنيه سنويًا بفائدة ميسرة 5%، حيث تتحمل الدولة منها دعمًا بواقع 7%، بما يعادل أكثر من 500 مليون جنيه سنويًا، ليستفيد من هذا التمويل نحو 600 ألف مزارع وفلاح، وقد استفاد 328 ألف مزارع من مبادرتي تأجيل الأقساط المستحقة وإعفاء المتعثرين، بإجمالي مديونية قدرها 8.9 مليارات جنيه.
وتتركز هذه المشروعات في مجالات استصلاح الأراضي، وتأهيل البحيرات وتوسيع البواغيز وتدعيم الميكنة الزراعية، وإقامة مجتمعات ريفية، وإنشاء صوب زراعية، بالإضافة إلى تدعيم آليات الري الحقلي الحديث، ودعم صغار المزارعين، والتسويق الزراعي، وانتشار تجمعات زراعية متكاملة.
وتطرق التقرير إلى مظاهر التحول الرقمي لخدمة الفلاح، مشيرًا إلى أنه تم طباعة 3 ملايين من كارت الفلاح من بينهم 1.2 مليون كارت مزود بخاصية ميزة لبناء قواعد بيانات إلكترونية للإنتاج الزراعي، بما يجعل الجمعيات الزراعية بمثابة بنك متنقل، فيما بلغ إجمالي الحيازات المسجلة على المنظومة 5.6 ملايين حيازة، بنسبة مطابقة تصل لـ 98% من إجمالي الحيازات.
كما تم تزويد 5700 جمعية زراعية بأجهزة التابلت وPOS، بالإضافة إلى تدريب 8100 من العاملين بالجمعيات على استعمال التكنولوجيا الحديثة لتحقيق أفضل استفادة ممكنة
وأشار التقرير إلى جهود رقمنة الخدمات المقدمة من وزارة الزراعة للفلاح والمواطن المصري، حيث تم رقمنة 3 ملايين ورقة ضمن رقمنة جميع المستندات من أجل التحول لمجتمع رقمي، ولأول مرة يتم إنشاء وحدة متخصصة للتحول الرقمي في القطاع الزراعي، فضلاً عن أنه تمت ميكنة 20 خدمة ويجري ربطها حاليًا مع بوابة مصر الرقمية تمهيدًا لإطلاقها.
وبالإضافة إلى ما سبق، فقد بدء التجهيز لإطلاق بوابة الزراعة المصرية، لتكون مصدرًا لكافة المعلومات الزراعية التي يحتاجها الفلاح، وكذلك تم التنسيق مع شركة إي فاينانس لإطلاق المنصة الزراعية الرقمية، ويمكن أن يستخدمها الفلاح في بيع منتجاته، وكذلك شراء كافة المستلزمات الزراعية من المصادر الموثوقة.
ومن المقرر تفعيل تطبيق هدهد صديق الفلاح نهاية سبتمبر 2021، ومتوقع أن يصل عدد المستفيدين منه خلال العام الأول لنحو مليون مستفيد، ومن المتوقع أن يصل عدد المستفيدين من تطبيق شاري خلال العام الأول لنحو 151 ألف مستفيد، على أن يتم الانتهاء منه في ديسمبر 2021، فيما تم الإطلاق التجريبي لتطبيقي خدمات الحجر الزراعي وتسويق منتجات صغار المزارعين.
وفي يوليو 2021، تم إطلاق منصة "أجري مصر" كأول منصة زراعية إلكترونية ضمن الشبكة الزراعية الرقمية المصرية، بهدف توفير خدمات الدعم والتمويل والتجارة والبحوث والإمدادات المقدمة للقطاع الزراعي.
وقد تم تطويرها بأحدث تقنيات وخواص التجارة الإلكترونية لتكون همزة الوصل بين المزارع وجميع أطراف القطاع من موردين وجمعيات زراعية وهيئات داعمة ومؤسسات تمويل، علمًا بوصول عدد المسجلين بالمنصة لـ 150 شركة و70 جمعية.
كما تم إنشاء تطبيق تجريبي لحصر المساحات المنزرعة لبعض المحاصيل الإستراتيجية عن طريق تحليل صور الأقمار الصناعية بتطبيقات الذكاء الاصطناعي وذلك لأول مرة.
وكشف التقرير عن جهود الدولة لدعم الفلاح في ظل مبادرة "حياة كريمة"، لافتًا لدعم الأنشطة الزراعية، حيث من المستهدف إنشاء أكثر من 332 مجمع خدمات زراعية تقدم خدماتها لأكثر من 1500 قرية خلال المرحلة الأولى للمشروع، كما تم تخصيص 9 مناطق للاستثمار في الإنتاج الداجني بقرار رئيس الجمهورية ما ضاعف حجم الاستثمارات بهذا المجال.
كما قدمت الوزارة تدريبًا ودعمًا فنيًّا لكل من يرغب في إقامة مشروع مرتبط بالإنتاج الزراعي، حيث وفرت أكثر من 9 مليارات جنيه تمويل لإقامة هذه الأنشطة، استفاد منها أكثر من 362 ألف مواطن.
وتطرق التقرير إلى جهود دعم المزارعين في المناطق الحدودية، مشيرًا إلى مشروع التنمية المتكاملة لحلايب وشلاتين، والذي تم خلاله حفر 6 آبار عميقة، واستصلاح 50 فداناً على كل بئر مجهزة بشبكة للري بالتنقيط.
وكذلك إقامة 118 صوبة زراعية في كل من أودية حوضين وأبو سعفة والديف وإمبارك ومحطة مركز بحوث الصحراء بشلاتين، كما تم توزيع 2000 رأس أغنام على صغار المزارعين بمناطق حلايب وأبو رماد وشلاتين.
كما أشار التقرير إلى مشروع تمكين سبل العيش للمجتمعات الهشة بمطروح، حيث تم تنفيذ 8 آبار نشؤ، وجار تجهيز 50 بئراً لعام 2021 /2022، بالإضافة إلى تنفيذ 47 قافلة بيطرية وتحصين نحو 255.7 آلاف رأس من الثروة الحيوانية، وتنفيذ 4 حقول إرشادية بمساحة 8 أفدنة وإنشاء 4 صوب زراعية مع تنفيذ 3 نماذج ري حديث.
وخلال الـ 7 سنوات الماضية تم توزيع 126 طن شعير و14 طن قمح لدعم 4666 مزارعًا وجاري الإعداد لموسم 2021 /2022، لتوزيع 50 طن تقاوي شعير جيزة 126، بالإضافة إلى توفير 262.5 آلاف شتلة زيتون لدعم 6562 مزارعاً، وجاري التجهيز لدعم المزارعين بعدد 70 ألف شتلة موسم 2021 /2022.
وفي قرى شبه جزيرة سيناء تم تنفيذ 18 تجمعًا زراعيًا متكاملاً منذ عام 2016، وفي الوادي الجديد وصلت قيمة 15 معدة لتعبئة وتصنيع محصول الكينوا لنحو 850 ألف جنيه، وقد تم توزيعها على المزارعين لخدمة 2500 أسرة ضمن مشروع الكينوا.
وتناول التقرير كذلك الحديث عن تطوير وتحديث منظومة الزراعة والري، لافتًا إلى مشروع تحديث منظومة الري الحقلي، والذي يهدف إلى رفع كفاءة استخدام المياه ومواجهة الفقر المائي وزيادة الإنتاجية وتخفيض تكاليف مستلزمات الإنتاج، فيما تم إطلاق المنظومة بمليون فدان بالأراضي الجديدة، و3.7 ملايين فدان بالأراضي القديمة.
وأيضًا تم توقيع بروتوكول للتعاون بين وزارات الزراعة والري والمالية إضافة إلى البنك الأهلي والبنك الزراعي المصري، للتحول من الري بالغمر إلى الري الحديث، وتوفير برنامج تمويلي لمدة 10 سنوات بدون فائدة، مع وجود حزمة حوافز لتشجيع المزارعين على الانضمام للمنظومة.
وتتمثل أبرز تلك الحوافز في توفير الدعم الفني الكامل، بالإضافة إلى تقديم دراسات السوق اللازمة للبنوك لضمان حصول المزارع على أفضل سعر لتطوير الري بأرضه وتوفير التمويل اللازم لذلك بدون أية فوائد.
وجاء في التقرير أن المشروع القومي لتأهيل وتبطين الترع، يستهدف إجمالي أطول ترع تصل إلى 20 ألف كم على مرحلتين بإجمالي ميزانية تقديرية تبلغ 80 مليار جنيه، وتم الانتهاء من تأهيل 2453 كم من الترع.
كفاح الفلاح المصري في التاريخ الحديث
الإضراب عن العمل في حفر قناة السويس
بعد أقل من ستة أشهر منذ كتبت جريدة "إسنرودنت" الإنجليزية في 15 يوليو 1861 "إن الفلاحين المصريين يُسحبون سيرًا على الأقدام إلى بورسعيد، وقد ربط بعضهم إلى بعض كالجمال أو مثل قطعان العبيد"، كانت الانتفاضة التاريخية للفلاح المصري في يناير 1862، بالتمرد الذي قام به آلاف الفلاحين ضد السخرة، وقيامهم بالإضراب عن الحفر، والهروب المنظم والمسلح من الموقع، مما اضطر المستغلين إلى تحديد أجر (رغم ضآلته) للفلاحين، والتحسين النسبي لمعيشتهم وخاصة بالنسبة لمياه الشرب.
- الثورة العرابية، وضعت في صدر برنامجها
إلغاء السخرة التي يفرضها الباشوات الأتراك علـى الفلاحين.
القضاء على احتكـار كبار الملاك لمياه النيل والتحكـم فيها.
حماية الفلاحين من المرابين الأجانب.
وأكد الزعيم أحمد عرابي انتماء ثورته للفلاحين، بأن أطلق عليها "حركة الفلاحين"".
- ثورة "همام" ضد المماليك
استمرت ثورة الفلاحين في صعيد مصر لأكثر من ثلاثين عامًا، وهي رافعة شعار "مصر للمصريين والأرض للفلاحين". ورغم الأصول الأعرابية "لهمّام" - قائد هذه الثورة - إلا أن هدف حركته وتشكيل جيشها وامتزاج الأصول الفلاحية بالأعرابية طوال نضالها، يؤكد أنها صورة مشرقة ومهمة للنضال الفلاحي المصري.
- ثورة جمهورية زفتى سنة 1919
أعلن الفلاحون والمثقفون الوطنيون - أثناء ثورة 1919 - الاستقلال عن السلطة وشكلوا مجلسًا وطنيًا لحكم الإقليم وتسيير أموره وحمايته من القوات الإنجليزية والسلطة التابعة لمدة، وإن لم تكن طويلة بعدد الأيام، إلا أنها بطولية من ناحية الصمود الثوري في مواجهة الضغط والحصار. ولقد كانت مجالاً للاستلهام والاحتذاء بها في بعض أقاليم محافظتي أسيوط والدقهلية طوال فترة النضال الوطني الشعبي عام 1919.
الحزب الوطني في مرحلة قيادة محمد فريد له
تبنى الحزب قضية الفلاح، مدافعًا عن حقوقه، مطالبًا برفع الغبن عنه المتمثل في "تدهور مستوى معيشته نتيجة العائد الضئيل الذي يحصل عليه بعد مجهود شاق" مهتمًا بتشكيل الجمعيات التعاونية والنقابات الزراعية والمدارس الأهلية لأبناء الفلاحين.
- حزب الوفد:
فقد دعا عام 1935 إلى استصلاح الأراضي وتوزيعها قطعًا صغيرة على الفلاحين. وقدم للفلاحين - في سنوات حكمه المحدودة - عددًا من الإنجازات المهمة، وخاصة بالنسبة للائتمان الزراعي ومجانية التعليم ومنع تملك الأجانب للأراضي.
- الحزب الاشتراكي:
فقد رفع طوال عامي 1950-1951 شعار "الأرض لمن يفلحها
وتعاظمت حركة الفلاحين في الفترة من عام 1948 حتى قيام ثورة 23 يوليو 1952، وتجسدت في معارك الفلاحين ضد الظلم والسخرة في "بهوت وكفور نجم وساحل سليم وميت فضالة والسرو ودراوة والبداري ودرين وأبو الغيط"، والعشرات من قرى مصر شمالاً وجنوبًا. واستشهد في هذه المعارك والانتفاضات الكثيرون من القيادات المناضلة من أجل حق الفلاح في الحياة، سواء من الأجراء ومعدمي وفقراء الفلاحين أو من أبنائهم المثقفين.

تعليقات
إرسال تعليق