القائمة الرئيسية

الصفحات

سوريا.تشكيلة الحكومة: رهان على الكفاءات والشباب



كتب/ أيمن بحر 


أبصرت الحكومة السورية الجديدة النور فى لحظة فارقة بتاريخ البلاد بعد سنوات طويلة من الصراع والاضطراب السياسى. وتضم هذه الحكومة 23 وزيرًا وتضع فى مقدمة أولوياتها إطلاق عملية إعادة الإعمار وإصلاح مؤسسات الدولة وإنعاش الاقتصاد المنهك.


ومع ذلك فإن الطريق أمامها ليس مفروشًا بالورود بل يواجه تحديات هائلة تتراوح بين تحقيق الأمن والاستقرار وإعادة اللاجئين ورفع العقوبات الدولية وجذب الاستثمارات ووقف نزيف الليرة السورية.


فقد بلغت خسائر الاقتصاد السورى أرقامًا صادمة حيث قُدّرت خسائر قطاع النفط والغاز وحده بنحو 115 مليار دولار بينما تكبد القطاع الزراعى خسائر بقيمة 16 مليار دولار، والصناعة 25 مليار دولار. أما قطاع السياحة الذى كان يدرّ 8.5 مليار دولار سنويًا قبل الحرب فقد تلاشى تقريبا.يرى المستشار الاقتصادى والسياسى أسامة القاضى خلال حديثه أن الحكومة الجديدة تمتاز برشاقتها ومهنيتها قائلًا: إنها حكومة بلا وزراء بلا حقائب ولا تخضع لمحاصصات سياسية تقليدية بل تضم شخصيات ذات كفاءة حقيقية.وقال: اللافت فى التشكيلة هو الحضور القوى للشباب حيث هناك 12 وزيرًا تقل أعمارهم عن 45 عامًا مما يمنحها طابعًا حيويًا متجددا


يرى القاضى أن رفع العقوبات خاصة الأميركية يشكل تحديًا رئيسيًا أمام الحكومة إذ إن العقوبات الغربية تُكبّل الاقتصاد وتمنع تدفق الاستثمارات الأجنبية.


ولكنه القاضى يعتقد أن وجود وزراء خريجى جامعات غربية مثل وزير الاقتصاد ووزير المالية وحاكم المصرف المركزى الذين تلقوا تعليمهم فى الولايات المتحدة وبريطانيا قد يساعد فى بناء جسور تفاوضية مع الدول الصناعية الكبرى.


وأضاف القاضى: نجاح الحكومة يعتمد على قدرتها على إقناع المجتمع الدولى برفع العقوبات أو على الأقل تخفيفها وهذا يتطلب انسجامًا بين الفريق الاقتصادى خصوصًا بين وزير الاقتصاد ووزير المالية وحاكم المصرف المركزى لضمان تقديم رؤية اقتصادية متكاملة وجاذبة للمستثمرين


لا يمكن الحديث عن إنعاش الاقتصاد دون معالجة الملف الأمنى حيث يوضح القاضى أن وزير الداخلية الجديد يواجه مهمة شاقة فى بسط الأمن والاستقرار وهو شرط أساسى لجذب الاستثمارات وعودة رأس المال السورى المهاجر.


وقال: لا استثمارات عربية أو دولية دون بيئة أمنية مستقرة ولهذا فإن نجاح الحكومة فى إعادة الثقة مرتبط بقدرتها على تحقيق الأمن واقترح القاضى سن قوانين جديدة تسهّل دخول المستثمرين من خلال نموذج النافذة الواحدة بحيث يتمكن المستثمر من إتمام معاملاته فى جهة واحدة مما يخفف من البيروقراطية ويحفّز رؤوس الأموال العربية والدولية على الدخول إلى السوق السورية


تعاني الليرة السورية من تدهور متواصل لكن القاضى يرى أن استقرارها ليس مستحيلًا، مشيرًا إلى أن السوق السوداء شهدت حالة نادرة حيث كان سعر الصرف فيها أقل من السعر الرسمي للبنك المركزى بعد ثلاثة أشهر من الثورة وهو أمر لم يحدث فى تاريخ سوريا.


وأوضح أن الحل يكمن في ضخ استثمارات حقيقية فى الاقتصاد قائلًا: لا يمكن معرفة القيمة العادلة لليرة السورية دون ضخ 10 إلى 20 مليار دولار على الأقل فى السوق فالتوازن بين العرض والطلب هو المعيار الحقيقى لقيمة العملة وليس المضاربات العشوائية.كما اقترح إصدار فئات نقدية جديدة مثل ورقة 5000 ليرة للحد من المضاربات ومنع عمليات غسيل الأموال


يشير القاضى إلى أن الرقم المقدر لإعادة الإعمار البالغ 900 مليار دولار ليس أكثر من رقم تحفيزى ويقول: لا تحتاج الحكومة إلى توفير كل هذا المبلغ دفعة واحدة بل يمكنها الاعتماد على المستثمرين العقاريين العرب والغربيين عبر نظام BOT (البناء والتشغيل وإعادة الملكية) حيث يقوم المطورون ببناء المشاريع وتشغيلها لفترة معينة قبل أن تعود ملكيتها للدولة دون أن تتحمل الحكومة أعباء مالية ضخمة.وأكد أن هذا النموذج يتطلب تنسيقًا وثيقًا بين وزارة الاقتصاد ووزارة الأشغال العامة بالإضافة إلى استغلال شبكة العلاقات التى يتمتع بها وزير السياحة الجديد مع دول الخليج خصوصًا المملكة العربية السعودية لعقد شراكات استثمارية مجدية


تحدّث القاضى عن المستثمرين السوريين في الخارج مؤكدًا أن لديهم رغبة قوية في العودة والاستثمار، لكنهم بحاجة إلى ضمانات واضحة. وأوضح أن حكومة تسيير الأعمال السابقة لم تكن قادرة على تقديم مثل هذه الضمانات ولكن الآن هناك فرصة حقيقية لاتخاذ قرارات جريئة تسهّل دخول المستثمرين وتحمى مصالحهم.وأضاف: عقدنا لقاء مع أكثر من 100 رجل أعمال سوري داخل دمشق وكان هناك اهتمام واسع بالاستثمار ولكن التحدى يكمن فى توفير بيئة قانونية وأمنية مستقرة


لا شك أن الحكومة السورية الجديدة أمام اختبار صعب فهى مطالبة بمعالجة ملفات اقتصادية وأمنية معقدة فى ظل إرث ثقيل من الدمار والأزمات.


وبينما تبدو التحديات هائلة فإن نجاحها يعتمد على قدرتها على تحقيق الاستقرار، وإطلاق إصلاحات حقيقية وبناء شراكات اقتصادية تفتح الباب أمام الاستثمارات الخارجية والداخلية.


الأيام القادمة وحدها ستكشف ما إذا كانت هذه الحكومة قادرة على تحويل الوعود إلى واقع ملموس.

تعليقات