بقلم : علي فتحي
الأحداث المأساوية التي بدأت عام 2011 لم تكن إلا شرارة لانفجار أكبر استغلته دول كبرى وجماعات متطرفة لتدمير ما تبقى من توازن هش في المنطقة وما يحدث الآن فى المنطقة وسوريا بالأخص ليست فقط أزمة وطنية بل حالة من الفوضى الشاملة التي أفرزت مخاطر تتجاوز حدود الجغرافيا السورية ، فمنذ بداية الأزمة كانت سوريا ساحة لتدخلات متعددة الأطراف فالاحتلال الإسرائيلي لمناطق الجولان وصولاً إلى توغله العميق داخل الأراضي السورية لم يكن مجرد خطوة عسكرية بل هو جزء من استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تحجيم سوريا كدولة مواجهة وتحويلها إلى كيان ضعيف غير قادر على التصدي لأي مشاريع توسعية هذا الاحتلال المتواصل والذي يقترب من العاصمة دمشق هو رسالة واضحة بأن إسرائيل لن تتوقف عند حدود معينة طالما استمرت الفوضى في سوريا حيث برزت الجماعات المتطرفة كأحد أخطر اللاعبين على الساحة السورية ، جماعات مثل النواصب التي تعادي آل البيت وتتبع أساليب بشعة في القتل والتمثيل بالجثث ونبش القبور لا تمثل فقط تهديداً للمجتمع السوري بل تعيد إنتاج صفحات سوداء من التاريخ الإسلامي هذه الجماعات التي تنشر الرعب بين المدنيين وتقتل على الهوية تعيدنا إلى عصور الفتن الكبرى حيث كان الدم أداة لحسم الخلافات العقائدية ما يزيد من خطورة الأمر أن هذه الجماعات لا تخضع لقيادة موحدة بل تتصرف وفق مصالحها وأجنداتها الخاصة مما يزيد الوضع تعقيداً ، كما نجد جماعة الإخوان المسلمين تلعب دوراً مزدوجاً بين السعي للسلطة بأي ثمن وبين خدمة مصالح قوى إقليمية ودولية على حساب سوريا هذه الجماعة التي قدمت نفسها كحركة معارضة تحمل مشروعاً إصلاحياً كشفت عن وجهها الحقيقي من خلال دعمها لجماعات مسلحة وإفشاء أسرار عسكرية بالغة الحساسية لصالح إسرائيل ما يجعلها أداة لخدمة أجندات خارجية بدلاً من الدفاع عن القضايا الوطنية والقومية الأكثر خطورة كما أن الإخوان لم يكتفوا بتقويض أمن سوريا بل ساهموا أيضاً في زعزعة استقرار دول أخرى كليبيا ومصر وهو ما يجعلهم أحد أخطر العوامل في هذا الصراع ، فالتدخل التركي في سوريا يمثل فصلاً جديداً من المأساة بعد سنوات من التخطيط والصبر نجحت تركيا في فرض نفسها كقوة مهيمنة على أجزاء من سوريا دخولها الجامع الأموي في دمشق كان إشارة رمزية إلى طموحاتها الإقليمية التي لا تنحصر فقط في الأراضي السورية بل تهدف إلى إحياء مشروعها العثماني في المنطقة ، تركيا التي استغلت ضعف النظام السوري وحالة الانقسام الداخلي أصبحت اليوم لاعباً رئيسياً يفرض شروطه على طاولة المفاوضات الدولية ، وفي المقابل نجد إيران وروسيا اللتين دعمتا الحكومة السورية في مراحل كثيرة ولكنهما لم تقدما حلولاً جذرية للأزمة بل اكتفتا بإدارة الصراع بما يضمن مصالحهما الاستراتيجية دعم إيران للنظام السوري يعكس رغبتها في الحفاظ على نفوذها في منطقة الهلال الشيعي بينما تحاول روسيا تعزيز وجودها العسكري والسياسي في الشرق الأوسط دون تقديم رؤية شاملة لإنهاء الأزمة .
ووسط هذه الفوضى المتشابكة يبقى الشعب السوري هو الضحية الأكبر ملايين اللاجئين الذين شردوا من منازلهم والمدن التي دمرت بالكامل والنسيج الاجتماعي الذي مزقته الانقسامات الطائفية والمذهبية كل ذلك يجعل استعادة سوريا لما كانت عليه مهمة شاقة ولكنها ليست مستحيلة الوعي الشعبي بضرورة التخلي عن الهويات الفرعية والتمسك بالهوية الوطنية السورية كجامع مشترك هو الخطوة الأولى نحو بناء دولة قوية موحدة ، ويعد التضامن العربي تجاه سوريا لا يزال غائباً رغم أن سقوط سوريا يعني كارثة ستطال الجميع النيران التي اشتعلت في سوريا لن تتوقف عند حدودها بل ستمتد لتلتهم المنطقة بأسرها الصمت العربي أو الاكتفاء بالتصريحات دون أفعال حقيقية لدعم سوريا في أزمتها ليس فقط خيانة لشعبها بل تهديد للأمن القومي العربي بأكمله التاريخ سيحاسب كل من تخاذل عن نصرة سوريا أو ساهم في تأجيج أزمتها بحسابات ضيقة لا ترى إلا مصالحها الآنية .
سوريا ليست مجرد دولة أخرى تعاني من أزمة سياسية أو اقتصادية بل هي القلب النابض للعالم العربي وركيزته الأساسية استقرارها يعني استقرار المنطقة بأكملها وأي انهيار لها لن يمر دون أن يدفع الجميع الثمن باهظاً .
تعليقات
إرسال تعليق