القائمة الرئيسية

الصفحات


بقلم : على فتحى

لبنان البلد الذي طالما كان ساحة للصراعات الإقليمية والتجاذبات الدولية، وجد نفسه في السنوات الأخيرة أمام عدوان صهيوني مدمر ترك آثارًا عميقة على كافة المستويات ، فهذا العدوان لم يكن مجرد استهداف عسكري، بل كان محاولة ممنهجة لضرب استقرار لبنان وتحويله إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية والعسكرية في المنطقة والتى خلفت هذه الحرب خسائر فادحة في الأرواح والبنية التحتية والاقتصاد، وألقت بظلالها الثقيلة على الداخل اللبناني والمشهد الإقليمي والدولي.
الخسائر البشرية لاتزال مروعة فهناك أكثر من أربعة آلاف قتيل، وستة عشر ألف جريح، ومليون ونصف نازح، يعكسون حجم الكارثة الإنسانية التي واجهها لبنان.
 هناك العائلات التي فقدت أفرادها تعيش في ألم مستمر، بينما النازحون والذين اضطروا لترك منازلهم، وجدوا أنفسهم في ظروف مأساوية، وسط نقص في المساعدات وعدم قدرة الدولة على استيعاب هذه الكارثة. هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل هي حكايات ألم ومعاناة تعكس حجم الكارثة الإنسانية التي ضربت الشعب اللبناني.
الدمار الذي لحق بالبنية التحتية كان شاملًا فالحرب استهدفت تدمير ما بين 80 إلى 100 ألف وحدة سكنية، بالإضافة إلى طرق وجسور ومستشفيات ومدارس .
هذا الدمار لم يعطل فقط الحياة اليومية للبنانيين، بل ألقى بثقله على جهود إعادة الإعمار، التي تُقدر تكلفتها بما بين 30 و35 مليار دولار. لبنان، الذي يعاني أصلًا من أزمات اقتصادية وسياسية، وجد نفسه عاجزًا عن مواجهة هذه التحديات الضخمة بمفرده.
الاقتصاد اللبناني، الذي كان في حالة هشاشة قبل العدوان، تلقى ضربة قاضية إذ وصلت الخسائر الاقتصادية لما يقارب 25 مليار دولار، وتفاقمت البطالة لتصل إلى أكثر من مليون وربع مليون عاطل عن العمل ، هذا الواقع أدى إلى انهيار قدرة العائلات اللبنانية على تأمين احتياجاتها الأساسية، وزاد من معدلات الفقر والجوع، كما تسببت الحرب في تدمير 40 ألف هكتار من الأراضي الزراعية، مما أثر بشكل كبير على الأمن الغذائي في البلاد.
على الجانب اللبناني الداخلي، كانت ردود الفعل متباينة فالبعض رأى في العدوان تأكيدًا على أهمية تعزيز الوحدة الوطنية في مواجهة التحديات الخارجية، بينما اعتبر آخرون أن وجود ميليشيات مسلحة مثل حزب الله هو السبب الرئيسي في استهداف لبنان.
إن إعلان حزب الله عن "النصر" وسط هذه الخسائر الفادحة أثار انتقادات واسعة، حيث تساءل كثيرون: كيف يمكن وصف هذا الدمار والخراب بالنصر؟
وعلى الصعيد الإسرائيلي، كان الهدف الرئيسي من العدوان هو تقويض نفوذ حزب الله في لبنان وإرسال رسالة ردع إلى إيران في البداية، اعتبرت إسرائيل العملية ناجحة، لكنها سرعان ما واجهت تساؤلات داخلية حول التكلفة البشرية والسياسية للحرب الانتقادات في الداخل الإسرائيلي ركزت على فشل الجيش في تحقيق أهدافه بشكل كامل، وعلى ما كشفته الحرب من نقاط ضعف في الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية.
عربيًا، تراوحت ردود الفعل بين الدعم الرمزي للبنان والصمت المطبق فبعض الدول العربية أدانت العدوان وأعربت عن تضامنها، لكن غياب أي خطة عربية موحدة لدعم لبنان تركه وحيدًا في مواجهة هذه الأزمة ، كما أن دول أخرى التزمت الصمت أو اكتفت بتصريحات خجولة، مما يعكس حالة التشرذم التي تعاني منها الساحة العربية.
وعلى المستوى الأوروبي، كانت المواقف أكثر وضوحًا في إدانة العدوان كما أن دول مثل فرنسا وألمانيا قدمت مساعدات إنسانية عاجلة، لكن الدعم ظل محدودًا، حيث فضلت الدول الأوروبية التركيز على الجانب الإنساني بدلاً من اتخاذ مواقف سياسية صارمة ضد إسرائيل ، وهذا التردد الأوروبي أظهر مدى تأثير العلاقات الإسرائيلية-الأوروبية على طبيعة التحركات الدولية تجاه العدوان.
أما عالميًا، فقد كان الموقف الأمريكي واضحًا في دعمه الكامل لإسرائيل ، حيث بررت واشنطن العدوان بأنه "حق للدفاع عن النفس"، ورفضت الدعوات لوقف إطلاق النار إلا بعد تحقيق الأهداف الإسرائيلية وفي المقابل، كانت روسيا والصين تدعوان إلى ضبط النفس وتجنب التصعيد، لكن تأثيرهما العملي على الأزمة ظل محدودًا.
لبنان اليوم يقف أمام تحديات هائلة ، منها إعادة الإعمار ليست مجرد مسألة مالية فحسب، بل تتطلب توافقًا سياسيًا داخليًا وإرادة دولية لدعم استقرار هذا البلد، فالمشكلة الحقيقية تكمن في غياب رؤية وطنية موحدة، وفي استمرار وجود قوى داخلية وخارجية تسعى لاستغلال لبنان كساحة لتصفية حساباتها.
لكن في ظل هذه الأوضاع المعقدة، يبرز السؤال: من المنتصر الحقيقي؟ الإجابة ليست بسيطة، إذ لا يمكن قياس الانتصار بعدد الصواريخ أو حجم الدمار فقط، بل بالنتائج الحقيقية على الأرض وتاثيرها على الشعوب.
حزب الله، الذي أعلن "النصر" واحتفل في الضاحية الجنوبية، يعتمد في رؤيته على صموده العسكري وقدرته على مواجهة العدوان الإسرائيلي ولكن هذا "النصر" يأتي بتكلفة باهظة دفعها الشعب اللبناني بأرواحه وأمواله ومستقبله ، فمهما كانت المكاسب التكتيكية، لا يمكن إنكار أن لبنان ككل خسر الكثير، وأن استمرارية الوضع الحالي تُبقي البلد عرضة لمزيد من الأزمات.
إسرائيل الأن ، بدورها، لم تحقق انتصارًا استراتيجيًا حاسمًا وعلى الرغم من أن عدوانها ألحق دمارًا كبيرًا، فإنها لم تنجح في القضاء على حزب الله أو تقويض نفوذه بشكل كامل فالداخل الإسرائيلي نفسه انتقد النتائج، معتبرًا أن الجيش لم يحقق الأهداف المعلنة، مما أثار تساؤلات حول كفاءة الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية.
أما لبنان كدولة وشعب، فهو الطرف الأكثر تضررًا في هذه المعادلة ، البلاد دفعت ثمنًا هائلًا على كافة المستويات، وباتت في حاجة ماسة لإعادة الإعمار وإعادة بناء الثقة بين مكوناته الداخلية ولكن بالرغم من كل هذا، يمكن اعتبار الشعب اللبناني المنتصر الأخلاقي؛ فقد أظهر صمودًا استثنائيًا في وجه الكارثة، وأثبت أنه قادر على تحمل الصعاب برغم كل المعاناة.
ولإعادة أمجاد لبنان، يحتاج البلد إلى رؤية شاملة وجريئة تتجاوز مرحلة الدمار والصراع ، فهذه الرؤية يجب أن تبدأ من الداخل، عبر تعزيز الوحدة الوطنية ونزع السلاح من الميليشيات لصالح قوة الدولة، وبناء مؤسسات قادرة على تلبية احتياجات المواطنين ، كما يتطلب الأمر إصلاحات اقتصادية عميقة تهدف إلى استعادة ثقة المستثمرين المحليين والدوليين، وتحقيق عدالة اجتماعية تضمن توزيعًا عادلًا للموارد.
أما على الصعيد الخارجي، يجب أن يعمل لبنان على تعزيز علاقاته مع الدول العربية والمجتمع الدولي بطريقة تضمن دعمًا حقيقيًا لإعادة الإعمار بعيدًا عن التبعية أو الانخراط في صراعات إقليمية. إن إعادة لبنان كجسر للتواصل بين الشرق والغرب يمكن أن تكون جزءًا أساسيًا من هذه الرؤية، مستندة إلى تراثه الثقافي ودوره التاريخي.
لبنان لن ينهض بمجرد تجاوز الآثار المادية للعدوان، بل يحتاج إلى مشروع وطني يعيد بناء الإنسان قبل الحجر وهذا المشروع يتطلب قيادة وطنية شجاعة وإرادة سياسية تتجاوز الحسابات الضيقة، لإعادة وضع لبنان على خارطة العالم كبلد للسلام والاستقرار والازدهار فحينها فقط يمكن للبنان أن يستعيد أمجاده ويثبت أن الانتصار الحقيقي لا يُقاس بالأسلحة، بل بما يحققه من تنمية وكرامة لشعبه.

تعليقات