في زاوية معتمة من هذا العالم المليء بالأسرار، كانت هناك امرأة تحمل في قلبها شعلة الجرأة والعناد. لقد كانت تكتب بكلماتٍ مبللة بالدموع، كلماتٍ تمزج بين الحب والحزن، بين الشوق والفقدان، وبين الحرية والقيود التي أحاطت بها كأشواك وردة جميلة.
كانت تعيش في مجتمعٍ يعتبر صوتها محرماً، وأفكارها جريمة لا تُغتفر. لكنها لم تأبه لكل ذلك. كانت تصرخ في وجه الظلم بصوتٍ ملأته الشجاعة. كتبت عن الحب الذي حرمت منه، عن العشق الذي عاشته في الخفاء، وعن ليالٍ طويلة قضتها وحيدة، تتحدث إلى نفسها بصمتٍ قاتل.
كانت ترسم بكلماتها صوراً لأحلامٍ طمستها الليالي الظالمة، لحظاتٍ كانت تسرقها من الزمن لتعيشها ولو في خيالها. تكتب عن حبيبٍ لم تستطع الوصول إليه، عن قلبٍ نبض بحبٍ ممنوع، وعن رسائل حبٍ كتبتها واحتفظت بها في صندوقٍ خشبيٍ قديم، كانت تفتحه كلما اشتاقت لصوته.
في كل يوم، كانت ترتدي قناع القوة، تمشي بين الناس برأسٍ مرفوع، تخفي جروحها العميقة خلف ابتسامةٍ باهتة. كانت تعرف أن دموعها ليست للعلن، وأن صرخاتها المكتومة يجب أن تبقى في عتمة الليل. لكنها لم تتوقف يوماً عن الكتابة، كانت الكتابة هي ملاذها الوحيد، هي طريقتها في النضال والبقاء على قيد الحياة.
كانت تتحدى المحرمات بكلماتها، تكتب عن الحب بصراحة، عن الرغبة التي تحرقها من الداخل، عن الأحلام التي تتوق لتحقيقها. كانت تعلم أن كلماتها ستثير الغضب، وأنها قد تُنعت بالمجنونة أو العاصية، لكنها لم تكترث. كانت تعرف أن العالم بحاجة إلى سماع صوتها، إلى معرفة الألم الذي يعتصر قلبها، إلى فهم أنها ليست وحدها في هذا النضال.
في إحدى ليالي الشتاء الباردة، جلست قرب نافذتها المكسورة، تنظر إلى النجوم التي تلمع في السماء. أخذت نفساً عميقاً، وبدأت تكتب رسالتها الأخيرة. كتبت عن حبٍ لا يموت، عن شوقٍ لا ينتهي، عن حبيبٍ تراه في أحلامها كل ليلة، عن قيدٍ بات ينهش روحها يوماً بعد يوم.
كتبت عن أحزانها بصوتٍ مرتجف، عن قلوبٍ تمزقت، وعن ليالٍ قضتها تبكي على وسادةٍ مبللة بالدموع. كتبت عن الأمل الذي كانت تراه في عينيه، عن الدموع التي انهمرت حين فارقته. كتبت عن الجرأة التي كانت تدفعها للكتابة، عن الأمل الذي لم يخذلها يوماً، وعن الحب الذي كان يجري في عروقها كالدم.
في تلك الليلة، سقطت دموعها على الورق، مزجت بين الحبر والألم، وكتبت نهايتها. كتبت عن حريتها التي وجدت أخيراً في كلماتها، وعن الشجاعة التي لم تغادر قلبها يوماً. ومع آخر سطرٍ كتبته، شعرت بأن روحها تحررت من كل القيود، وأن حبها وأحلامها قد وجدت ملاذاً أخيراً في قلب السماء.
كانت تعلم أن كلماتها ستبقى، أن روحها ستعيش في كل حرفٍ كتبت، وأن نضالها لم يكن عبثاً. لقد كانت تلك المرأة التي لم تتوقف عن الحب، ولم تتوقف عن الكتابة، ولم تتوقف عن النضال من أجل أن تكون هي، بكل ما تحمل من مشاعر وأفكار، امرأة حرة.
تعليقات
إرسال تعليق