جذبني شكله في القطار ، هذا الوجه ليس غريباً عليّ ، شابٌ في العقد الثالث من عمره ، يظهر من مشيته و سلوكه أنه متخلفٌ عقلياً ، فمه مفتوح يتطاير منه اللعاب كلما تحدث أو تنهد ، عيناه زائغتان ، أنفه الكبير قد احتفظ بكثير من بقايا المخاط القديم ، يرتدي جلباباً صعيدياً بالياً و قماشه غليظ ، يسير في طرقة القطار بين المقاعد ، يقترب من الركّاب واحداً تلو الأخر ، يمد يده من بعيد ، طالباً صدقة ، لا يعيره الراكب اهتماماً ، فيقترب منه رويداً رويداً ، و يكرر الطلب ، حتى تلامس يده خد الراكب أو ذقنه ليجذب انتباهه ،
شئ ما جذبني إليه ، جعلني أتابعه بعيني منذ دخل العربة ، و هو قد لمحني أتفرّسه ، بقبعتي التي لا يرتديها إلا بعض أرباب الأدب في مجتمعنا ، وملابسي التي تشبه ملابس الأدباء و المفكرين في فترة الخمسينات .
أنا الوحيد في القطار الذي لم يقترب مني ، و لم يسألني صدقة ، رغم أنه سأل الثلاثة الذين كانوا معي في مربع المقاعد الذي أنا فيه ،
تعجبت بعض الشئ ، لماذا أنا الوحيد الذي لم يسألني ؟ ، و لماذا أشعر أنني أعرفه من قبل ؟ و لكن كانت حقنة المخدر التي أعطيتها لتفكيري هي أنه مخبول يتصرف دون وعي ، أو على أسوء الأحوال قد يكون لم يسترح لشكلي
إستغرق مروره في العربة حوالى خمسة عشر دقيقة ، حصل خلالها على بعض النقود من الركّاب الذين تعاطفوا مع حالته ، ثم وقف القطار في محطة فرعية ، وقالوا أنه سيخزّن لبعض الوقت لأمر لوجستي .
قُمت من مقعدي ، و ذهبت لأحرك قدميّا قليلاً نحو باب العربة ، وقفت على الباب أنظر إلى قضبان القطار المتراصة بشكل هندسي متشابك على أرض المحطة ، و فوقها بعض الجرارات المتوقفة و العربات القديمة المتهالكة و التي ذكرني منظرها بالنظام الإجتماعي المتهالك في مجتمعنا الذي أنهكته الظروف الاقتصادية و التحديات الحداثية .
و إذا بي أراه ، هو ذاته المتسول المخبول ، بمشيته التي تشبه مشية غراب كُسرت ساقه ، يعرج بين العربات القديمة المنتشرة حول المحطّة .
دفعني الفضول لأعرف أين يذهب ، و ما هذا الشئ الغريب الذي يجعله مختلفاً عن أي متسولٍ أو متخلف عقلي .
نزلت من القطار ، مشيت خلفه في تؤدة ، أتلمس خطاه دون أن يشعر بي ، إختفى خلف عربة ، بحثت عنه في إصرار .
بعد قليل من البحث عثرت عليه ، قد صعد عربة قديمة مُكهّنة ، جلس على أرض العربة بين المقاعد ، ربّع قدمية ، و فرد حِجره ، و أخرج نقوده يعدّها و يضع كل فئة على حده ، بين يديه العديد من النقود فئة الخمسة جنيهات ، و عدداً أكبر من فئة الجنية الورقي بالإضافة إلى كومة صغيرة في حِجره من العملات المعدنية .
قد تغيرت تعبيرات وجهه ، و لا يوجد أثر للعابه الذي كان يتطاير منه ، و راح عنه الخبل، فمه مُغلق ، عيناه رائقتان ، أنفه نظيفة ، هندامه مرتب .
وقفت أنظر إليه في صمت ، لا أتحرك و لا أنبث ببنت شفة ، حتى رفع رأسه و تقابلت عينانا ، نظر إليّ في غيظ و خوف ، و نظرت إليه في سكون و طمئنه ، و مرت لحظة صمت .
كسرتُ الصمتَ و قلت أتسائل في تقرير
- انت مش مخبول و لا متخلف عقلي
-
(فحاول أن يتقمص الشخصية و فتح فمه و سال لعابه و أخرج ألفاظاً غير مفهومه و لكن بدى عليه الإنزعاج الشديد فقلت في إصرار )
- سيبك من الشويتين دول ، أنا فقستك خلاص ، (وقلت في تصميم) هاتصارحني .. هاسيبك في حالك و لا كأني شوفت حاجة ، هاتلاوع و تنصب هالم الناس عليك و هافضحك .
(نظر إليّ و هو يتميّز من الغيظ ، و قال في إستسلام )
- عايز ايه
- أول سؤال ، ليه أنا الوحيد في العربية اللى ماطلبتش مني فلوس؟
- لأن شكلك مثقف و خفت تكشفني .
(إجابته وافقت هوى نفسي و أرضت غروري ، و لكنّها تنم عن ذكائه و ثقافته ، فقد استخدم حيلة نفسية ذكية ، حين أسمعني ما أحب سماعه ، و يدفعني عقلي الباطن لأصدّق أنه الحقيقة .
و لكن لست أنا الذي ينخدع بهذه الحيلة البدائية ، فنظرت إليه في تهديد و قلت )
- اجابة حلوه ، لكن مش الحقيقة ، قول الحقيقة
(طأطأ رأسه و قال )
- الصراحة شكلك فكّرني بنفسي قبل سنتين ، و عرفت إني لو طلبت منك هاتدّيني ، حتى لو كان المبلغ دا آخر فلوس معاك .
(قلت في استغراب)
-شكلي أنا فكّرك بنفسك ؟
(رد في تصميم)
-أيوه .. فكّرني بنفسي .
قبضت على ظهر مقعد في جواري و جلست عليه محدّقاً في هذا المجهول و قلت له
- أنت مين ، و حكايتك ايه
(جمع ما في حِجره من نقود ، و دفسهم في جيبه و قام فجلس على مقعد مقابل لمقعدي و قال في أساً و و انكسار )
-أنا رامي فرهود ، من أسرة منهوكة الحال ، خرّيج معهد فنون مسرحية قسم تمثيل و إخراج ، كنت التالت على الدُفعه ، لأن الأول و التاني أولاد العميد و وكيل المعهد ، تخرجت من المعهد و أنا عندي هدف واحد ، و هو إني أوظّف الفن في معالجة مشاكل المجتمع ، و ابتكار حلول جديدة ، و الإرتقاء بالذوق العام ، و رفع وعي الناس .
مالقيتش حد ينتج أفلام و مسرحيات توافق أهدافي ، فقررت أكون فرقة مسرحية مع بعض زملائي المؤمنين بنفس أفكاري ، و عملنا مسرحيات في أغلب المحافظات و كنّا بنصرف على الفرقة من خلال شغلنا في بعض الأعمال البعيدة عن الفن .
لحد ما كترت الديون و اتمنعنا من دخول أغلب المسارح نظراً لقلة إقبال الجمهور على أعمالنا .
أثناء حديثه تذكرت ،
هو فعلاً رامي فرهود صاحب و مؤسس فرقة (ثنا الوعي) المسرحية ، رأيت لهم عرضاً مسرحياً منذ عامين في مسرح صغير موجود في منطقة قديمة بالقاهرة ، كان العرض راقياً و قيّماً و استمتعت به كثيراً ، و تعجبت حينها من قلة عدد الجمهور مع أن العرض راقي جداً و متكامل الأركان و لا يقل ابداعاً عمّا تُقدّمه الفرق التجارية العالمية المشهورة ،
(أكمَل رامي كلامه )
الفرقة اتفككت ، و حاولت اشتغل اي حاجه عشان علاج والدي و والدتي اللى جالهم المرض من حزنهم على حالي ، و لكن الأدوية أصبحت من مش من حق كل الناس ، أصبحت من حق اللى يملك تمنها بس
أبويا مات ، و أمي حالتها تدهورت اكثر ، و هي دلوقتي بتاخد كمية أدوية يعدّي تمنها ١٥ الف جنيه في الشهر .
(كنت أستمع له و قلبي يعصره الألم ، أنظر إلى خارج القطار ، هرباً من عينيه اللتان أقرأ فيهما ، أننا كلنا مسؤلون عما هو فيه ، و مسؤلون أيضاً عن آلام الآلاف ممن يشبهون فرهود في ظروفه و معاناته .
بدء صوته يتقطع ، و بدئت أسمع منه هنهنات في كلامه ، نظرت إليه فإذا بدموعه قد بللت وجنتاه ، لم أدري ماذا أقول له .
ساد الصمت قليلاً ثم كسر الصمت و قال :
- مالقيتش شغلانه تجيب تمن علاج أمي غير التسول .
و انهمرت الدموع من عينيه بغزارة ، كأنه يريد أن يطفئ بها ناراً تلتهم صدره و صدري معه .
تعليقات
إرسال تعليق