القائمة الرئيسية

الصفحات



بقلم ✍️ نهى محمد عيسى 


في زمنٍ أصبحت فيه الكلمات تُقال بحذر والمشاعر تُخفى خلف أقنعةٍ متعددة بات النفاق عند البعض وسيلةً للنجاة وأسلوبًا للتعامل بل ولغةً يومية تُستخدم في كثيرٍ من الحوارات والعلاقات

 لكن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه : هل يمكن للنفاق أن يكون لغة حوار؟ وهل المجاملة الزائدة وإخفاء الحقيقة وتلوين الكلمات بما يرضي الآخرين تُعدُّ نوعًا من الذكاء الاجتماعي أم سقوطًا أخلاقيًا مُقنَّعًا؟

الحوار في جوهره قائم على الصدق حتى وإن اختلفت الآراء

 فالكلمة الصادقة قد تُوجع أحيانًا لكنها لا تخون بينما الكلمة المنافقة تبدو ناعمةً في ظاهرها لكنها تحمل في باطنها قدرًا كبيرًا من الزيف والخداع النفاق لا يُصلح العلاقات كما يظن البعض بل يؤجل انهيارها فقط لأن الحقيقة مهما اختبأت خلف الابتسامات المصطنعة لا بد أن تظهر يومًا

وقد أصبح النفاق في بعض المجتمعات مهارةً اجتماعية يتقنها الكثيرون فتجد الإنسان يمدح ما لا يُعجبه ويبتسم لمن لا يرتاح له ويوافق على ما يرفضه داخليًا فقط ليحافظ على مكانته أو مصالحه أو صورته أمام الآخرين

 وهنا تتحول الحوارات إلى مسرحياتٍ محفوظة تخلو من العفوية والصدق ويصبح الإنسان غريبًا حتى عن نفسه

لكن لا بد من التفريق بين النفاق وبين اللطف فليس كل تجميلٍ للكلمات نفاقًا وليس كل صراحةٍ فضيلة أحيانًا يحتاج الحوار إلى الحكمة وإلى اختيار الألفاظ التي تحفظ المشاعر دون أن تُزيّف الحقيقة فالإنسان الراقي لا يجرح الآخرين باسم الصراحة لكنه أيضًا لا يخدعهم باسم المجاملة

إن أخطر ما يفعله النفاق أنه يقتل الثقة

 فحين يكتشف الإنسان أن الكلمات التي سمعها لم تكن حقيقية يشعر بأن كل ما حوله هشٌّ ومؤقت وحين تصبح المجاملة الكاذبة أسلوب حياة يفقد الناس القدرة على التمييز بين الحب الحقيقي والتقرب المصلحي وبين الاحترام الصادق والتملق الرخيص

النفاق ليس لغة حوار بل هروب من المواجهة وخوف من الحقيقة وضعف في القدرة على التعبير الصادق

 أما الحوار الحقيقي فهو ذلك الذي تُقال فيه الكلمات بصدقٍ واحترام دون تزييف أو أقنعة لأن العلاقات التي تُبنى على الصراحة الحكيمة تدوم أما العلاقات التي يُغذيها النفاق فسرعان ما تنهار عند أول اختبار للحقيقة

وفي النهاية سيبقى الصدق مهما كان بسيطًا أكثر راحةً من ألف كلمةٍ مزيفة وسيظل الإنسان الحقيقي أثمن من ألف وجهٍ يتغير حسب المواقف والوجوه

تعليقات