القائمة الرئيسية

الصفحات

حين يتحول العلم إلى رسالة… قراءة في مسيرة الدكتور عبد الهادي العشري


بقلم/حسين عبيد 

في زمنٍ تتسارع فيه المصالح، وتتشابك فيه المفاهيم بين القانون والسياسة، يظل هناك من يحملون على عاتقهم مهمة أسمى، وهي الدفاع عن جوهر العدالة، لا نصوصها فقط. ومن بين هؤلاء، يبرز اسم الدكتور عبد الهادي العشري، أستاذ القانون الدولي العام، كأحد النماذج التي جمعت بين عمق العلم ونبل الخُلق.

ليس الحديث عن الدكتور العشري مجرد استعراض لمسيرة أكاديمية، بل هو حديث عن مدرسة فكرية استطاعت أن توازن بين صرامة القانون ومرونة الواقع. فقد جاءت مؤلفاته وأبحاثه لتعكس عقلًا قانونيًا واعيًا بتحديات النظام الدولي، خاصة في القضايا التي تمس سيادة الدول ومفهوم التدخل الدولي.

ولعل من أبرز إسهاماته العلمية، دراسته حول التدخل الدولي من أجل الديمقراطية، والتي لم تكن مجرد بحث قانوني تقليدي، بل قراءة تحليلية عميقة لإشكالية شائكة، تمس جوهر العلاقات الدولية:

هل يمكن فرض الديمقراطية من الخارج؟ أم أن ذلك يُعد انتهاكًا لسيادة الدول؟

لقد عالج الدكتور العشري هذه الإشكالية برؤية متوازنة، بعيدًا عن الانحياز، واضعًا أمام الباحثين نموذجًا يُحتذى به في التحليل القانوني الرصين، الذي لا ينفصل عن الواقع السياسي.

ولم تقف إسهاماته عند هذا الحد، بل امتدت إلى مجالات متعددة، من بينها القضاء الدولي، والأمن الجماعي، والقضايا البيئية ذات البعد الدولي، وهو ما يعكس تنوعًا فكريًا وقدرة على استيعاب تعقيدات العصر.

لكن، إذا كان العلم وحده كفيلًا بصناعة عالم، فإن الإنسانية هي التي تصنع التأثير الحقيقي. وهنا تتجلى شخصية الدكتور العشري في جانبها الأكثر إشراقًا؛ حيث يُعرف عنه بشاشة الوجه، وتواضعه الجم، وتعامله الإنساني الراقي مع طلابه وزملائه، مما يجعله نموذجًا نادرًا يجمع بين العلم والخُلق.

إن الأستاذ الحقيقي لا يُقاس فقط بما يكتبه من أبحاث، بل بما يتركه من أثر في نفوس طلابه، وهو ما نجح فيه الدكتور عبد الهادي العشري بامتياز، حيث لم يكن مجرد أستاذ يُلقي المحاضرات، بل كان مُلهمًا يُغرس في طلابه حب العلم واحترام الفكر.

وفي ظل ما يشهده العالم من تحولات، تبقى الحاجة قائمة إلى مثل هذه النماذج، التي تدرك أن القانون ليس نصوصًا جامدة، بل أداة لتحقيق العدالة، وأن العلم ليس وسيلة للترقي، بل رسالة تُحمل بأمانة.

تعليقات